في الإعادة الأخيرة، ما قبل البارحة لـ"الثامنة" مع داود، أصغيت للتفاصيل لسببين: الأول شخصي، لأن ابن عمي، الأستاذ الجامعي الشاب الطازج مسفر بن علي الموسى، كان الضيف الرئيسي، والآخر عام لأن الطرف المقابل من الطاولة شابان يتحدثان عن أحلام الجامعة والوظيفة. والثلاثة جميعا برهان على تفاصيل التحولات في المجتمع السعودي الحديث.

يصغرني ابن عمي بسنوات طويلة حتى يكاد ابني الأكبر، ويتفق معي، كما عرفته، في كثير من الأفكار والآراء، ولكنه تماما مثل الجيل الجديد الصاعد الذي أعجز أحيانا عن فهمه. ينتمي إلى جيل رقمي فلا أجد وصفا للفوارق سوى الدليل: أنا درست حيث تغرب الشمس، وهو ذهب للجامعة في القارة حيث تشرق. على الطرف المقابل من طاولة "الثامنة" مع داود؛ شاب يكاد أن يبيع شهادته الجامعية في القانون. هو مثال لطموح السعودي المخيف حين يرفض أن يصعد السلم الحياتي والوظيفي درجة بعد درجة. من عامه الأول بعد التخرج يريد أن يكون (الحجيلان) أو (بروكتر آند قامبل). ولو كنت مكان ابن عمي لقلت فورا: إن باراك أوباما حاصل على الدكتوراه في القانون، ومن (هارفارد) أم الجامعات، ومع هذا وصل إلى سدة المكتب البيضاوي قبل أن يصل إلى أحلامه من الشهادة العليا في المحاماة. ومثله أيضا، عدوه اللدود، حسن روحاني رئيس إيران الجديد، الذي حاز ذات الشهادة من (غلاسكو) البريطانية وامتلأ الرأس شيبا قبل تحقيق الحلم النهائي.

على الطرف الآخر من الطاولة شاب رائع وسيم يسائل مخارج كلية الهندسة وهو الذي ما زال الخريج الطازج للثانوية العامة. يتحدث بظلامية عن المستقبل قبل حتى الخطوة الأولى في الجامعة، ولو كنت مكان ابن عمي على الطرف المقابل لقلت له: إن في البلد نصف مليون من المشاريع في العام الواحد، وفيها أيضا مئة ألف فرصة سنوية لهذا التخصص في القطاعين العام والخاص. مشكلة السعودي الجديد أنه، وبالعمد، مشحون بالإحباط، وطموح للقفز على الدرجات دون أن يدرك أن الحياة (سلم) متدرج.

سأقول لأخي الغالي (أبو أديب): أتذكر يوم سحبت ملفك من الجامعة، وكيف عدت رجلا عصاميا لبوابة الحياة: أستاذا بالجامعة.