ماذا يحدث يا أمتي؟! ماذا يحدث يا أبناء العروبة؟! ماذا يحدث يا قوم؟! نتابع يوميا، وبكل أسى وحزن وحسرة، تصاعد لغة الكراهية في وسائل الاتصال الاجتماعي وفي جميع وسائل الإعلام، حتى في المحاضرات الدينية لكثير من الشخصيات التي كنا نحترمها، حيث كنا نستقي منهم كلام السلام والمحبة وقصص السلف الصالح وسيرة سيد الخلق محمد عليه الصلاة والسلام، نجد أن بعضهم ممن له تأثير كبير على أتباعه، يبث خطب الكراهية والطائفية والتفرقة بين الأمة، لا بل بين المجتمع الواحد! لقد أصبحنا ننام ونصحو على صرخات ودعوات القتل والنحر والتنكيل!
كنت قد تحدثت في مقالة سابقة عن خطر الفكر المتطرف وطالبت بمحاربته، واليوم أجدد دعوتي.. فليس أصعب على قلب الفرد منا من أن يرى قومه يتقاتلون ويسمع صيحات الكراهية تردد في كل مكان. وليس أصعب على المرء من أن يراقب كيف أن من كان يعدهم من الشخصيات المتزنة المثقفة والموضوعية يقعون يوميا تحت رحمة هذا الخطاب من خلال الترويج لأحداث أو مقاطع من النت، قد تكون حقيقية وقد تكون مفبركة، وقد تكون حقيقية ولكن سلط الضوء على الجزء الذي يراد من خلاله إشعال الفتنة، المهم هنا أن المثقفين، والذين ينادي كثير منهم وينبه ضد الطائفية والفتنة، تجدهم يناقضون أنفسهم من خلال مواقف كهذه!
والأنكى من ذلك أن هنالك من نصبوا أنفسهم فرسان حماية ومساندة للضعفاء، وأطلقوا حملة قطع الأرزاق! يقومون بتجييش الكراهية لجنسيات معينة ومحاربتها في رزقها، وهم يعلمون بل يرددون قول الله تعالى "لا تزر وازرة وزر أخرى"، لقد حـكّموا أنفسهم القاضي والجلاد وبدؤوا بالملاحقات. أحداث تذكرنا بمحاكم التفتيش في الأندلس وفرسان الصليب في أوروبا من القرون الوسطى!
والذي يقهر حقا، من هم من جنسيات عربية شقيقة، يستخدمون مقاطع تدمي القلب والروح، ولكن ليس لإشعال الكراهية فقط، بل أيضا لإشعال الغضب والنيل من المرأة السعودية، يهاجمونها في حجابها، نعم حجابها! "انظروا يا قوم كيف تحافظ هذه العفيفة على حجابها، ومن أين من تحت الأنقاض... وعندنا الفتيات والنساء كذا وكذا"!! عندنا!! عندنا؟! ولكنهن لسن من عندكم! ثم من سمح لكم بالتعميم؟ من سمح لكم بالتعدي على قوة إيمان بناتنا ونسائنا؟ نحن... نعم نحن! لأننا أسهمنا في التعليقات وعممنا أيضا. تمنيت أن يرد أحد من أبناء وطني ويقول على الأقل: لا تعمموا.. ليس لكم هذا! ولكن هيهات! واستمرت المهـزلة بالطرق على أبواب المشاعر المشتعلة من تأثير المقطع، ولم ينتبه أحد أن هنالك تعديا على عفاف وإيمان غالبية نساء وبنات بلده! ثم ما دخلكم فيما تلبس هذه وكيف تتستر تلك.. هل شققتم على القلوب وقستم الإيمان؟! ومن قال لكم إنه في بلادي لا يوجد بنات ونسـاء ممن يتمسكن بحجابهن فوق كل شيء؟! إذن إليكم قصـة زميلة لي في العمل، عندما تعرضت لحادث سيارة وكانت سيارتها مهددة بالاشتعال في أية لحظة، رفضت أن تمد يدها للمنقذ كي لا تتكشف أو تلامس يدها يد غريب، فانتزعها الشـاب من السيارة مما سبب لها خلعا في الكتف، كانت تفضل الموت على أن تنكشف، قد نتفق وقد لا نتفق معها في سلوكها في حالة الطوارئ، ولكن تفضل.. هذه القصة مثال وغيرها الكثير عن تمّسك واعتزاز الكثيرات والكثيرات من بنات بلدي بحجابهن لدرجة أنهن يفضلن ذلك على الحياة، فبأي حق يخرج علينا شخص كائن من يكون ويقول: عندنا؟!!
وكأنه لا يكفينا من يُعتبرون من قبل الكثيرين أنهم من زمرة الدعاة أو المشايخ، ممن ليس لهم حديث أو خُطب سوى إشعال الفتنة الطائفية في بلاده، ولم يكتف بذلك بل قفز إلى بلادنا أيضا. يبررون للناس الكراهية والرفض والاحتقار للأديان والطوائف الأخرى، كلا لا يكفينا ابتلاؤنا بهؤلاء بل أفلتوا علينا أبناءهم يصولون ويجولون حيثما شاؤوا من مواقع التواصل الاجتماعي ليكملوا المسيرة.. ولم لا طالما يجدون آذانا تسمع وأعينا تقرأ وعقولا لا تفكر ولا تفقه... تبريرهم أن هذا الشبل من ذاك الأسد... فليفترسونا إذن!
رجال! يعتبرونهم رجالا... وأين هم من الرجولة! هل تحدث أحدهم عن الصلح؟ عن السـلام؟ هل عرض أحدهم محاضرات تقارب بدلا من البحـث عن كل ما يفرق ويمزق وللأنفس يحرق؟ هل ذهب أحدهم رسول سلام ليفرج عن مخطوف أو يعيد المياه إلى مجاريها بين من كانوا يوما أهلا وجيرانا وخلانا.. واليوم يتقاتلون؟! لقد سمعت عن شيوخ قتلوا، لقد سمعت عن أساقفة خطفوا، وهم يقومون مهمات خطرة كهذه، ولكن لم أسمع باسم واحد... واحد فقط منهم من قام بعمل مشابه... يدعون الرجولة وهم أبعد ما يكونون منها!
إن الشجاعة ليست بالتهديد والوعيد، والشجاعة ليست أن تبث الفتن والكراهية من منبر بعيد، إن الشجاعة حين تضع روحك في سبيل الله، وتذهب لقلب الحدث وتمد يد العون من أجل السلام والمصالحة.. لا أن تجلس في مكان آمن وتصب الزيت على نار العبيد! إن الشجاعة ليست بقذف أبناء الغير إلى التهلكة ثم الاستدارة والطيران إلى بلاد الله الواسعة للتمتـع والسيـاحة، أو التنقل بين فنادق النجوم الخمسة، بحجة أنك تجمع المسـاندة، بينما أنت تجمع الأرواح لتلقيها في أتون معارك الحقد والكراهيـة! شبابنا ليسوا حطب محارقكم، ابدؤوا بأنفسكم وأبنائكم وأسركم، ودعونا نعمل من أجل السلام.. فخير لنا أن نموت من أجل البناء من أن نقتل في سبيل الهدم والدمار...إن السلام شجاعة وقوة.. لو أنكم فقط تعلمون ماهية السلام... دروس تعلمناها من خير الأنام عليه أفضـل الصلاة وأتم السلام.