الأسبوع الماضي، عُقد مؤتمر بالقاهرة، أطلق عليه: "مؤتمر علماء الأمة تجاه القضية السورية"، - ولي تحفظي على مصطلح "علماء" - واجتمع 76 ممثلاً لمنظمات إسلامية من أجل ذلك، وقد أظهر ذلك المؤتمر استعداد الجميع "معنوياً" للقتال ضد النظام السوري، وأعلن المؤتمرون في نهاية مؤتمرهم الدعوة إلى النفرة والجهاد بالنفس والمال والسلاح لنصرة الشعب السوري، لينبري أحد "الدهاة" إلى المنبر الكبير داعياً الناس إلى جحيم الحرب، دون أن يأخذ في حسبانه الحاجة إلى فهم آثار ذلك على المجتمع والناس، وأن يعلن في صلف حاجته إلى أن تفسح له الحكومات الطريق ليفعل ما لم تفعله الأوائل، وبعدها ينفر إلى ساحة "عاصمة الضباب"!
أن يُعلن أحد المشاركين "المحسوبين على الدعاة" الجهاد الكامل في سورية في خطبته بأحد أكبر الجوامع المصرية، ثم بعد ذلك تجد خبر سفره إلى لندن عقب المؤتمر بأيام قليلة جداً، فذلك أمر غير محسوب، ومراهق إلى حدٍ بعيد، لتشتغل الساحة بعد ذلك بهذه المفارقات العجيبة، التي تبدو عليها علامات التعجب والحيرة، وإن بررت بعد ذلك بعض الصفحات "الفيسبوكية" المحسوبة على المؤتمر والداعية، خبر ونوايا تلك السفرة الغريبة الجدلية، والتي أُعلن أنها من أجل الخطابة البحتة عن سورية وأوضاعها "وجمع التبرعات"! والأخيرة "جمع التبرعات" ستبقى عليها علامات التعـجب إلى يوم القيامة، كون الأمر سيحدث في "بريطانيا"، وأقترح أن يُفرد لها عنوان عريض في الـ"بيكادللي" أو في الـ"هايد بارك"، في حين أعلنت أيضاً بعض الصفحات عن اللقاء التلفـزيوني الذي ستبـثه قناة "إسـلام شانال"، التي تبث من لندن ويتابعها حسب الصفحة "70" مليون مشاهد!.
وأتساءل في الواقع عن سر هذا التناقض العظيم، الذي يؤكد النظرة الصغيرة والقصيرة، لفهم الأمر وما يجب أن يكون عليه، وانعكاس مثل هذا الفعل على من تمت دعوتهم إلى الجهاد في سورية، ومردود ذلك على نصرة إخواننا في سورية وغيرها، إن فعلاً غير متزن لن يكون في صالح القضية التي تدعو إليها، و"تناضل أو تنادي أو تمثل" – مع تحفظي - من أجلها، وما لم تُقدم التضحيات فإنك لن تجني أكثر من الكلام، لا أتخيل أن أحداً سيثق فيما تقول أو يُلقي له بالاً ما لم تُقدم من جهتك ما يدل على جديتك، وأن تكون أنت في مقدمة الصفوف. لن يذهب أحد خلف الحماسة في زمن بات الغالبية فيه يتمتعون بمستوى جيد من الوعي، وأصبح من الصعب جداً جرهم كالخراف إلى المذبحة. إن الذين ينادون بالجهاد دون حساب ما يلزمه ذلك من استعداد وتدريب عالٍ، يوازي قوة السلاح وخطورة الموقف، إنما هم يستعرضون إعلاميا فقط.
وإن صورة على الخيل أو رفع العصا في الهواء، ليست كافية لهزيمة طلقات كلاشنكوف، أو قذائف "التورنيدو".
إن هذا الاستهتار في الواقع يعكس مستوى العقلية التي تتزعم الأمر، ويعكس حجم الجحيم الذي يُقاد إليه البشر.
كونوا واقعيين بحجم الكارثة، وتصرفوا بما يُعبر عن الوعي الكافي، الذي يتحدث عن مسؤولية الحدث وما سيعقبه إن أردتم ذلك بالفعل، وتعاملوا باهتمام أكثر مع المطروح على أرض الواقع، بل وكونوا أكثر واقعية مما تعتقدون إن أردتم، وبغير ذلك لن تكفيكم أمام القناصة: "قرة عيني وريحانة قلبي".