ومن تلك الخصوصية غير الموضوعية في جلها، المتكئة على نرجسية مفرطة، وادعاء لا يستقيم مع واقع الحال، السخرية من الآخر، والانتقاص منه، وتسفيه أي قول أو فعل لافت منه، وتهميش أي منجز له، حتى نفخنا في ذاتنا حدا حال بين بعضنا وبين رؤية ما تتحقق عند غيرنا وبالقرب منا.

أكره أفعال التفضيل، وفي ظني لم يعد لها قيمة أو دلالة، كونها تذكر دائما في غير مكانها، وزمانها، وباتت محل "تنكيت" وهمز ولمز متى ما قيلت!

حالة النفخ، والإسراف في مدح الذات، كونت قناعة بالرضا بما هو كائن، وعدم الرغبة في صنع ما هو أفضل، فالأكبر والأطول والأجمل أفعال تدعو لإغلاق كافة الأبواب.

تداعيات أفعال التفضيل تجاوزت اللامعقول يوم أن قفزت من الشأن العام وحطت في ساحة الشأن الديني، وبالغت في تزكية الذات واستصغار الآخر، والاستهزاء بفكره ورأيه وتاريخه، حتى قال أحدهم إنه ينبغي ألا يؤخذ في مسائل الدين غير رأينا، يوم أن استشارت المملكة علماء الأمة في مسألة توسعة المسعى، ثم تجاوز أحدهم أيضا حد المعقول وقال: "نحن" فقط من سيدخلون الجنة. وبادر في تعريف "نحن"، فضاقت عنده هنا دائرة الخصوصية، حيث لم تستوعب مساحة الوطن كله كالعادة!

وباسم الخصوصية وفي ظلها يطعن بعضهم في كل ما لا يتوافق مع الرأي السائد عندنا، ولو كان في مسائل غير متفق عليها فقهيا، حتى بات هذا البعض يحكم على عقائد الناس وفق الرقعة الجغرافية التي يعيشون عليها، ولا يجدون حرجا في الطعن في أعراضهم، كونهم لا يأخذون ـ مثلا ـ بالرأي الذي يوجب تغطية وجه المرأة. ولا يمكنني مطلقا أن أنسى قصة زوجة صديقي اللبناني يوم أن صدمت وعاشت وضعا نفسيا صعبا وأخذت موقفا سلبيا حادا من السعوديين عندما حوصرت بأسئلة السعوديات اللائي معها في حملة الحج، مرددات عليها: "لبنانية وجاية تحجين؟".

لست أدري لماذا تذكرت كل ذلك، ومن ثم كتبت ما كتبت هنا بعد أن شاهدت قبل يومين مشهد فيديو مؤثرا لفتاة سورية، أثناء محاولة إخراجها من تحت ركام الأنقاض التي سقطت عليها في مسكنها جراء القصف، وكانت أولى كلماتها لشخص كان يصور عملية استخراجها من تحت تلك الأنقاض: "عمو لا تصورني ماني متحجبة"!