فلسطين بلا مطربين! كيف لقضية عظيمة كالقضية الفلسطينية أن تكون بلا فنان يصدح لها ويعبر بها للعالم؟
في ذروة نضالها العسكري، خلقت منظمة التحرير فرقة "العاشقين".. اشتعلت جاذبية الفرقة المكونة من أبناء الشتات في اجتياح بيروت صيف 1982. بعد ذلك غابت لم يعد العرب يذكرونها بعد أن جرجرتها المفاوضات والمسار السلمي إلى النهايات، في حين إن "أبوعرب" مجرد نسخة شعبية تصلح للجدات والشيوخ، فيها من الكآبة ما الله به عليم، تعيش في البكائيات، واليوم يجتمع الفلسطينيون الذين نقلت احتفاليتهم بفوز فتاهم القنوات في كل مدن الضفة والقطاع وداخل الخط الأخضر، ليقولوا للدنيا إن هناك شعبا يحب الحياة ويغني لها.. لم يرتكن عساف إلى حالة التعاطف الوجداني كفلسطيني، بل ركز على موهبته وصوته الأخاذ، وفي كل حضور كان يبهر ويدهش.. عادة، تلقي السياسة بتأثيراتها على مجمل الأحداث والفعاليات، لكن نجاح عساف كان حقيقيا ومستحقا بلا منة عبرت به إلى التتويج كموهبة شابة قادرة على أن تحدث فرقا حقيقيا عند الأجيال الجديدة في فلسطين وسواها، وتمد الإنسان هناك بقوة ناعمة تعضد صراعه الطويل من أجل استعادة حقه التاريخي والوطني، إذ إن معركة الوجود تخاض أيضا بالفن والشعر والإبداع والأفكار، لا بالسلاح وحده، هنيئا للفلسطينيين بنجمهم الجديد وموهبتهم القادمة من خلف الحصار والتناحرات والفقر والقصف والاحتلال، موهبتهم التي يتوارى خلف بريق عينيها خجل أبناء القرى وانبهاراتهم الأولية لحظة يجولون المدائن للمرة الأولى، فقد مللنا رؤية تلك الوجوه العابسة الواجمة من سياسيين وحزبيين، بينما تكيل الشتائم والانتقادات للجميع بالتساوي متترسين بمسمياتهم التنظيمية وألقابهم الحزبية، لا يتركون منبرا حتى يطلوا منه بينما يقتتلون على فتات معونات المنظمات والهيئات الدولية.. عساف الفلسطيني وجه آخر جديد للقضية العظيمة بموهبة حقيقية مبهجة ومدهشة وصادقة.