تتأهب مصر اليوم لما يمكن أن يحدث في الأسبوع القادم في 30 يونيو.. كل طرف يتبادل الإشاعات عما سيفعله الطرف الآخر، أشخاص يتحدثون عن باكستانيين وأفغان قدموا لدعم الرئيس بالقوة، وآخرون يتحدثون عن أفراد أوروبيين وأفارقة جاؤوا لدعم المعارضة، وأحاديث عن المال السياسي الذي ينساب في كل اتجاه، في حالة اشتباك وفقدان ثقة شعبي لم تمر به مصر منذ زمن بعيد جدا.

ما الذي يمكن أن يحدث في 30 يونيو؟ لا شيء يذكر، سألت أشخاصا كثرا، والجواب فقط مجرد استمرار للضغط من المعارضة على الرئيس المصري وجماعة الإخوان، ولكن هذا الضغط بدأ يأتي بنتائج سلبية ضد المعارضة، لأنه يمثل حافزا لتصعيد غير عقلاني في الصفوف التي تؤيد الرئيس، أو تلك المعارضة لحكم الجماعات أو التنظيمات الإسلامية، وهذا قد يكون أثره أكبر بكثير من مجرد الضغط وعزل الرئيس والحكومة المصرية. بالنسبة للمواطن المصري، القصة تعني فشل الموسم السياحي بالكامل، وبالتالي الغرق أكثر في مستنقع الفشل الاقتصادي والتضخم. بينما تفعل المعارضة المصرية كل هذا وتهدر طاقتها فيه، فهي تنشغل عن الهدف الأساسي وهو الفوز بصندوق الانتخابات القادم، أيا كان وقته. مثل هذا الفوز يحتاج جهدا جبارا لبناء برنامج واضح بدلا من البرنامج الحالي الذي يتمحور حول عزل الرئيس، وتحتاج لبناء قواعدها الشعبية في أرجاء مصر الواسعة، وتحتاج لتتأكد من وجود المؤسسات الدستورية والسياسية التي تسمح بالانتقال السلمي والفعلي للسلطة وصناعة القرار في حالة خسارة الإخوان في الانتخابات.

ما تفعله المعارضة المصرية حاليا هو مجرد مشاغبة واستغلال للضعف الأمني والاقتصادي والمؤسساتي الذي تعيشه الدولة، ولكنه لا يذهب بها لأي مكان. هي تحاول وتسعى لإسماع صوتها حتى تقنع الداعمين لها بالاستمرار بدعمها فقط، ولكن لا يوجد سيناريو واحد لصالح المعارضة المصرية، حتى لو استقال الرئيس، وتم إعلان انتخابات مبكرة، فالمعارضة ستخسر بسبب قاعدتها الشعبية المتواضعة.

لقد فشل الرئيس المصري في العمل مع القضاء لبناء مؤسسات مصر التشريعية، وهو فشل سيدفع ثمنه الجميع، لأن البديل الوحيد لغياب المؤسسة التشريعية في مصر هو عودة الديكتاتورية بشكل من الأشكال، وهو عمليا ما يحصل تدريجيا مع استئثار مؤسسة الرئاسة المصرية بالقرار.

والقضاء المصري له حكاية يتجنب الجميع الحديث فيها من باب حفظ ماء الوجه، وإلا فإنه كيان هلامي يعاني في أركان كثيرة منه من الفساد، ويرتبط كثير من قادته بالمتنفذين في النظام السابق، ومصلحة هؤلاء بلا شك أن يفشل الحكم المصري الحالي، حتى تعود لهم أيامهم الذهبية. هناك طبعا أشخاص على مستوى عال من النزاهة والمهنية في كيان القضاء، ولكن إرادتهم وتأثيرهم اختلط مع تأثير القضاة الآخرين، ولأنه لا يوجد حاليا أي آلية لفرز مؤسسة القضاء المصري فهي تساهم أكثر بشكل متزايد ومكشوف في منع تطوير المؤسسات الدستورية المصرية.

نظام فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية لا يمكن أن يتم في حال غياب السلطة التشريعية التي تمثل الجمهور، وإلا حينها يتحول القضاء لمؤسسة ديكتاتورية لا يمكن تصحيح مسارها، وهذا ما يريده القضاء المصري حاليا.. تعطيل أي كيان يمكنه أن يفعل شيئا من هذا النوع، بما يسمح باستمرار المكاسب السياسية التي يحققها الجزء الفاسد من هؤلاء القضاة (وقد يكونون قلة فقط).

مصر تحتاج لبرلمان منتخب، مجلس شعب يمثل الجمهور، يتحمل أعضاؤه مسؤولية القرارات التي يتخذونها، بحيث تضغط المعارضة لنقل كافة الصلاحيات لمجلس الشعب، حتى لو كان أكثر أعضائه في البداية ممن يدعمون الرئيس، ولكنه في رأيي الضمان الوحيد لكي تستطيع المعارضة لاحقا أن تصل إلى الحكم وأن يمكنها التغيير.. هو طريق طويل ومؤلم وفيه مغامرة، ولكن المعارضة السياسية من دون مؤسسات دستورية تشبه تماما ما سيحدث في 30 يونيو: الكثير من الشغب، وسد الطرقات، وتدمير مصالح الجمهور، والقليل جدا من الإنجاز الإيجابي أو السياسي طويل المدى.

النظام الديموقراطي ليس النظام الأصلح للبشرية، وهو نظام فيه عيوب كثيرة، ومن عيوبه أن صندوق الانتخابات يحسم كل شيء، والشعب عندما ينتخب، يختار بناء على معطيات محدودة من يقوده لعدة سنوات، ولكن من حسناته أن هناك خريطة طريق واضحة لمن يريد قيادة البلاد والعمل في الشأن العام، والذي يبدأ من الجمهور والشعب وكسب صوته، وهذا هو الأمر الوحيد الذي لم تفعله المعارضة المصرية، بل هي في الحقيقة تبتعد عنه تدريجيا.

أنا شخصيا ليس لي موقف مع أو ضد المعارضة، وشخصيا أشعر أن كل اللاعبين في الحلبة السياسية المصرية لا تهمهم مصر كثيرا، ولكن مصر قلب نابض للعرب والمسلمين، وعندما يصبح القلب النابض ضعيفا وهرما فهو يؤثر على كل من حوله. لا يوجد حل لمصر إلا بوجود كيان ديموقراطي منظم، له مؤسساته الكلاسيكية، وحينها فقط ربما كان هناك أمل..