كتبتُ الأسبوع الماضي من باكو عن الشراكة الجديدة بين مجلس التعاون وأذربيجان، التي انطلقت في 12 يونيو 2013 في العاصمة الأذربيجانية، وأشرتُ إلى عوامل عددة تدعم هذه الشراكة، إذ يجمع بينهما تاريخ وثقافة مشتركة، كما تجمع بينها اليوم المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، بما في ذلك التعامل مع التهديدات الإيرانية.

من الناحية الاقتصادية، تُعد أذربيجان – مثل دول المجلس – دولة رئيسية في إنتاج وتصدير النفط والغاز، ويشتركان في تبني سياسات اقتصادية توسعية تهدف لتمويل برامج تنموية طموحة، ولكليهما سياسات استثمارية طويلة المدى في الخارج. وتوفر هذه العوامل الثلاثة أساساً قوياً لإرساء علاقات اقتصادية متينة.

ولأذربيجان تاريخ عريق، ارتبط بالإسلام منذ القرن الأول الهجري، في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، حيث وصلها المسلمون الأوائل بقيادة عتبة بن فرقد، ثم حُذيْفة بن اليمان والمغيرة بن شعبة والأشعث بن قيس، وسراقة بن عمر، ودخلت تحت الحكم الإسلامي صلحاً، وانتشر فيها العلم والثقافة والحضارة الإسلامية وأنتجت علماء ومفكرين لا تزال أذربيجان تعتز بهم إلى اليوم.

وتبلغ نسبة المسلمين فيها اليوم نحو (99) بالمئة، على الرغم من محاولات روسيا خلال احتلالها لأذربيجان لمدة (180) عاماً التقليل من تلك الحقيقة. صحيح أنها نجحت في عزل أذربيجان عن العالمين الإسلامي والعربي، ولكن تلك العزلة قد ولّت وانتهت.

وبالإضافة إلى الشراكة الاقتصادية والثقافية، تتطلع أذربيجان إلى تعاون استراتيجي مع مجلس التعاون لمواجهة التدخلات الإيرانية في شؤونها. فمثل ما يحدث في الخليج، هناك عناصر إيرانية تسعى لإثارة القلاقل في أذربيجان وتصدير التطرف والعنف. وقد اعترضت أذربيجان العديد من عملاء إيران وعمليات تهريب أسلحة وذخائر، كان هدفها إثارة الفتنة. فإيران لا تبدو مكتفية بسيطرتها على معظم أراضي أذربيجان التاريخية، وعلى معظم المتحدرين من أصل أذري داخل حدود إيران الحالية، بل تحاول بسط نفوذها في جمهورية أذربيجان (الجزء الغربي من أذربيجان التاريخية).

وبسبب احتلال أرمينيا لإقليم (ناغورنو كاراباخ) التابع لأذربيجان، والذي يقسم أراضيها إلى قسمين غير مترابطين جُغرفياً، فإن مواطني أذربيجان يحتاجون إلى عبور الأراضي الإيرانية للتنقل بين أراضي أذربيجان. وتحاول إيران استغلال هذا الظرف لإضعاف سلطة باكو، بالإضافة إلى دعمها غير المعلن لأرمينيا ضد أذربيجان.

ومما يزيد الأمر تعقيداً أن المتحدرين من أصول أذرية يشكلون نحو (30) بالمئة من سكان إيران نفسها، مما يجعلهم أكبر الأقليات فيها عدداً بعد الفُرس. ويسكن معظمهم في الجزء الجنوبي من أراضي أذربيجان التاريخية، أي الجزء الشمالي الغربي من إيران، ولكن عدداً لا بأس به موزع على مناطق إيران الأخرى، حيث يشكّل الأذريون نحو ثُلث سكان العاصمة، كما يشغلون نسبة مهمة من القوات المسلحة وقوات الأمن وقيادات التجارة والأعمال.

وبسبب حجم وأهمية الأقلية الأذرية في إيران، تحرص الحكومة الإيرانية على القضاء على أي محاولات للتعبير الثقافي بين الأذريين، خشية من أن يتحول ذلك إلى تعبير سياسي أو مطالبات بالاستقلال، خلافاً للسياسة الرسمية الإيرانية التي تؤكد على اللغة والثقافة والفارسية، وعلى الوحدة الإيرانية. وتنفيذاً لتلك السياسة، ألزمت الأذريين باستخدام اللغة الفارسية، وردّت بعنف على مطالبات الأذريين باستخدام لغتهم في التعليم والكتابة والنشر. وعلى الرغم من إجراءات إيران ضد الأذريين، نشأت في إيران حركة متنامية تدعو لاستقلال الأذريين في إيران. وإذا نجحت هذه الحركة، فقد تشكل أكبر تهديد لمستقبل إيران وتماسكها، أكثر من الحركات الانفصالية بين الأكراد أو البلوش أو العرب، الذين يشكلون أقليات صغيرة نسبياً في إيران، مقارنة بالأذريين.

وبالإضافة إلى ما تقدم، تتمتع أراضي أذربيجان التاريخية الواقعة حالياً داخل حدود إيران بأهمية استراتيجية كبيرة، إذ تمثل حلقة الوصل مع بحر قزوين وتركيا، وبالتالي طرق التجارة الخارجية مع أوروبا، ويمثل الأذريون حلقة الوصل مع الشعوب الأخرى المتكلمة بالتركية، داخل إيران وخارجها.

وقد اشتدت وطأة الإجراءات الإيرانية بحق الأذريين خلال السنوات القليلة الماضية، فبحجة قمع الاحتجاجات التي اندلعت في إيران في عام 2009م بعد الانتخابات الرئاسية التي اتهمت فيها المعارضة الحكومةً الإيرانية بالتزوير، قامت إيران بنشر قوات البسيج و"أنصار حزب الله" في عدة مواقع في أذربيجان الإيرانية، بما في ذلك الجامعات والأندية الثقافية والرياضية، حيث ينشط المطالبون الأذريون بالاستقلال.

وبسبب القمع الرسمي الإيراني، لا يعرف العالم الخارجي الكثير عن تطلعات الأذريين في إيران نحو الاستقلال، ولذلك لا نرى الكثير من مظاهر التأييد لتلك التطلعات خارج إيران وأذربيجان.

وجزء من المشكلة أن العالم الخارجي مشغول بالانتهاكات الأخرى الجسيمة لحقوق الإنسان داخل إيران، مما يجعل من الصعب إدراك حجم القمع الذي يتعرض له الأذريون على وجه الخصوص.

وتكرر مسلسل قمع التطلعات الأذرية خلال موسم الانتخابات الرئاسية التي عقدت هذا الشهر في إيران، حيث شنت قوات الأمن حملات اعتقال استباقية للناشطين السياسيين، في محاولة لمنع تكرار احتجاجات "قوة الشعب" التي أعقبت انتخابات عام 2009م.

ولتفادي ما حدث في عام 2009، حين فازت المعارضة بنصيب الأسد من الأصوات، قام النظام الإيراني باتخاذ إجراءات استباقية، مثل منع مشاركة المرشحين المستقلين في الانتخابات وتسخير إمكانات الدولة لصالح مرشحي النظام. وضايقت السلطات أولئك المرشحين وأنصارهم في التعبير عن معارضتهم، وتم اعتقل المئات. وقد نسي الكثيرون أن المرشحين الرئيسيين في انتخابات 2009 (حسين موسوي ومهدي كروبي) ما زالا رهن الاعتقال المنزلي.

ووفقاً لتقارير منظمات حقوق الإنسان، تعتقل السلطات الإيرانية آلاف النشطاء السياسيين، والطلبة، والمحامين، والفنانين، وممثلي الأقليات العرقية والدينية، بما في ذلك مئات النشطاء من الأذريين.

ويتوقع بعض المراقبين أن يحاول حسن روحاني، الرئيس الإيراني الجديد الذي فاز في انتخابات 14 يونيو 2013، تبني سياسة جديدة في علاقة إيران مع جيرانها، ولكن فرصه في النجاح محدودة. ولكن لا يتوقع أحد أن يكون الرئيس المنتخب مرناً في التعامل مع موضوع الأقليات في إيران، بما في ذلك تطلعات الأقلية الأذرية لحقها في التعبير الثقافي واستخدام اللغة الأذرية.