أرى في شهر رمضان المبارك دعوة شاملة ومتكاملة للتغيير ومراجعة الذات والتأمل في حياة الإنسان ومسيرته خلال عام كامل يمتد من رمضان إلى رمضان ؛ وبذلك يؤسس الشهر الكريم لآلية النقد الذاتي ويسلم الإنسان أدواتها ومفاتيحها الأمضى. وهي آلية أحوج ما نكون إليها اليوم في ظل ما نمر به من تخلف وضعف؛ فعبر تمثل مفهوم الاستغفار العميق واستيعاب ما يدعو له من مراجعة للأفعال وتقويم للممارسة وصولا للتوبة وفرض قطيعة مع الأفعال الخاطئة، نضع أيدينا على أهم أدوات النقد الذاتي؛ فلا استغفار دون توبة، ولا استغفار دون اعتراف بالخطأ وإدراك مسؤول لأبعاده.شهر رمضان وقفة صدق مع النفس، ومحطة هادئة يستريح فيها المرء من لهاث العصر وسرعة إيقاعه، ونفحة روحانية تهطل علينا من عمق تصحر الحياة الحديثة وجفافها، وبحث عن المعنى في زمن تنكبت فيه المعاني طريقها، وفرغت فيه الأسماء من مضامينها! رمضان في جوهره تثوير؛ تثوير على رتابة العادة وأسر السائد ونمطية المألوف؛ وتثوير على طينية الجسد وغرائزه وشهواته؛ وتثوير على نزعة الأنانية وجشع الإنسان وشحه وحرصه وتكالبه على الماديات. ورمضان أيضا تثوير لجوهر الدين وقيمه الكبرى؛ وتثوير لمقاصد الشريعة الكبرى؛ وتثوير لقيم الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة والتكافل والتعاضد ووحدة المسلمين في كافة أصقاع الأرض؛ وتثوير لطهرانية الروح وسموها ونقائها، وتثوير لنزعة الأنسنة في الدين؛ وتثوير لروح النهضة المغزولة في متن الإسلام وبنيته والتي تنتظر إعادة بعثها من جديد.رمضان أيضا تثوير لمسؤولية الإنسان الفردية عن أعماله، وإحياء لنفسه اللوامة، بعيدا عن الوصاية والرقابة فلا رقيب على صيام الإنسان إلا نفسه، ولا وصي عليه إلا ذاته التي تطالبه بإتقان عبادة الصيام والإحسان فيها طمعا في المغفرة والثواب. وهو أيضا تثوير لقيمة العلم واقترانه بالعمل والحرص على إتقانه والأمانة فيه وأدائه على أكمل وجه. رمضان تجديد للعهد وفتح آفاق لا حدود لها على رحمة الله الواسعة ومغفرته، وتخليق للأمل والرجاء بعيدا عن اليأس والإحباط حتى لو كانت الذنوب مثل زبد البحر.وبداية ونهاية رمضان هو شهر تثوير للنفس مع القرآن الكريم وإخراج الإنسان من عتمة غفلته وانشغالاته، ودعوة إلى إعادة قراءة كتاب الله وتأمل واستنطاق آياته وسوره وأسباب نزولها، بحثا عن المعنى ووصولا للمغزى؛ ودعوة لممارسة فضيلة التفكير، وإعادة اعتبار للعقل وملكاته وقدراته التي يشحذها وينشطها التأمل والتدبر. رمضان يستوقفني ويستوقفك ويستوقف كل مسلم للتأمل في معانيه وقيمه ودروسه وعبره والأهداف التي شرع لأجلها، ويطالبنا جميعا بإعادة إحياء قيمه وبث الروح فيها من جديد، بعيدا عن الإسلام الشكلاني المفرغ من المضمون والمعنى والذي ساد ردحا من الزمن، وبعيدا عن طقوس وممارسات استلب منها لبها وجوهرها. رمضان يستنهض هممنا ويحرضنا على التجديد ومساءلة ذاتنا وتراثنا وعاداتنا وما ألفينا عليه آباءنا وأجدادنا، ويدعونا أيضا إلى إعادة ترتيب أولوياتنا ومساءلة قناعاتنا.

بعد ما سبق من معان يهبها لنا رمضان من جملة ما يهب، أتساءل: كيف ضيعنا رمضان، وكيف ضاع رمضان منا؟!