لم يكن للإعلام ـ حتى وقت قريب ـ هذه السطوة الهائلة التي جعلته منبرا ومعبرا واسعا لآراء الناس وتطلعاتهم، لكن الانفجار الإعلامي الذي جاء مع موجات الإعلام الإلكتروني، هو ما فتح باب التعبير على مصراعيه ليدخله المارقون والحانقون والمطففون والمنحازون، الذين يتمترسون خلف المعرفات الوهمية والأسماء المزورة حتى صارت ساحة الإعلام الإلكتروني بما فيها الفيسبوك وتويتر ملعبا للمعروف والمجهول والصالح والطالح والوطني والعميل، وغاب أو تقلص دور الرقيب، مما جعل هامش التعبير بلا حدود أخلاقية أو قيمية.
الإعلام الجديد سحب البساط من تحت أقدام الصحف الورقية وكل أنماط الإعلام التقليدي، مما دفع الكثير هنا في المملكة للاتجاه إلى وسائل الاتصال الحديثة وجعلها مصدر المعلومات الأول لمعظم سكان المملكة، الذين يمثل الشباب فيهم النسبة الأعلى بما يعني أن الإعلام الجديد سيلعب دورا كبيرا خلال السنوات القريبة القادمة في إعادة صياغة أفكار وتطلعات المواطنين على نحو مغاير تماما لما كان يفعله الإعلام التقليدي، ومن هنا تنبع أهمية استثمار الوسائط الجديدة بما يخدم رسالة الوطن واستراتيجياته، والحيلولة دون أن يسيطر أعداء الوطن على هذا الملعب، وبالتالي يدسون أفكارهم المضللة، ويعيدون صياغة تشكيل أفكار أجيالنا الصاعدة من الشباب الذين هم رجال الغد وحملة لواء البناء في هذا الوطن. ومن هنا تبرز الضرورة الملحة لحماية هذه الثروة الوطنية عبر تسخير هذه الوسائط لمواجهة أعداء الوطن والمتربصين به، ويمكن تحقيق هذا الهدف من خلال إيجاد شخصيات وطنية اعتبارية لها وزنها ومصداقيتها الدينية والاجتماعية، بحيث تكون غير ملوثة بالنفعية أو التملق، وأن يصار إلى إظهارها بصورة معتدلة متوازنة تتحدث عن الأخطاء والتجاوزات لكنها بالمقابل لا تغفل الإيجابيات الظاهرة في الوطن.
ولأن هناك الكثير من الحقوق والخدمات التي هي حق للمواطن لكنه لا يستفيد منها لجهله بها، فإن ذلك يحتم التعريف بهذه الحقوق والخدمات وإبرازها وإشهارها للناس.
كما تبرز ضرورة تزويد الوزراء وكبار المسؤولين بنبض الشارع، كل فيما يخصه، حتى يتعرف المديرون التنفيذيون على متطلبات المواطنين وشكاواهم على النحو الذي يجعلهم على بينة من الأمر، بما يؤدي لاحقا إلى نتائج إيجابية تخفض حدة التذمر.
أيضا فإن بث الرسائل الإيجابية على فترات متقطعة لبعض الأعمال الإنسانية والخيرية لبعض الأمراء والمسؤولين كفيل بتضييق فجوة سوء الفهم التي تظهر بجلاء عبر مواقع الوسائط والتغريدات التويترية؛ ولأنه ينتشر عبر الوسائط فريق يضع على كاهله مسؤولية صنع ونشر الإشاعة المغرضة، فإن الأمر يقتضي تشكيل فريق مضاد لمتابعة ورصد هذه الإشاعات ودحضها فور نشرها عبر إعلان الحقيقة لا غيرها.
أيضا فإن الحاجة تدعونا لتعميم برامج واقعية وعملية لزيادة جرعة الولاء الوطني عند المواطن.
ليس عندي شك في درجة هذا الولاء، لكنني أظنه يتسم بحالة من الشعور بالنقص والدونية أمام الغير من الشعوب والدول الأخرى، ولا أعلم سببا ظاهرا لهذه المشاعر عند نسبة جيدة من أبناء الوطن، وعلينا أن نعمد إلى زيادة هذا الولاء لدى المواطن، وحقنه بمشاعر الافتخار والاعتداد بوطنه، وبالمنجز الذي تم في هذه الصحراء، حتى صارت إلى ما هي عليه، وإطلاعه، بل وإشراكه في التخطيط لمستقبل هذا الوطن، كما أن الضرورة تقتضي إدراك المواطن لحجم ما يتمتع به من أمن ورفاه، والسعي ما أمكن لإزالة لبس المقارنات غير المنصفة وغير المنطقية مع الآخرين تبعا للفوارق البينية التي لا تجعل المقارنة منصفة، ويمكن اللجوء إلى برامج لإدارة التوقعات لدى المواطنين، خاصة فيما يتعلق بوعود المسؤولين وإحجام المشاريع التي تنفذ على نحو أقل من المخطط له أو أنها تتعثر، مما يجعل النتائج غير متـوافقة مع ما هو معلن، وهذا مما يزيد في اهتزاز حجم الثقة.
هذه المسألة تقلقني دائما وتضعني في حيرة أمام حجم العاطفة العمياء أحيانا لدى بعض الشعوب تجاه أوطانهم، حتى وهم يعيشون أوضاعا متردية لكنهم يشعرون بكم رفيع من الولاء الذي أغبطهم عليه، وأرجو أن نغرسه بوضعية أكثر وأكثف وأكبر في هذه البلاد التي نحبها ونعقها في نفس الوقت.