بعد فوز محمد عساف "الفلسطيني" بلقب عرب آيدول، اشتعل تويتر وانقسم المغردون "العرب"ً إلى قسمين، الأول سعيد والدنيا لا تسعه من الفرح بفوز عساف "الفلسطيني"، والثاني يرى أن فوز عساف "الفلسطيني" وتكريم "الأونروا" وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي "فلسطين" بتسمية محمد عساف كأول سفير إقليمي للأونروا للشباب للاجئي "فلسطين"، ومنحه لقب سفير النوايا الحسنة، مع كل المزايا الدبلوماسية من قبل الرئيس محمود عباس. مكافآت مبالغ فيها، وكما غردوا فـ"عساف" لم يحرر القدس، هل ستحرر القدس بالغناء؟ هل سيحارب المحتل الصهيوني بحباله الصوتية!؟
فعلا محمد عساف لم يحرر القدس، لكنه فقط استطاع أن يوحد الجمهور العربي، الذي اتفق على جمال صوته، وحد العرب الذين قسمتهم السياسة ومزقتهم الطائفية وقتلهم العنف.
عساف حرك ذاكرة العرب، ولمس جرحا ما زال ينزف منذ 65 عاما، وروى للجيل الجديد الذي غُيب عن القضية الفلسطينية ـ في أقل من 5 دقائق ـ قوة وصبر ونضال وكفاح الشعب الفلسطيني عندما شدى بـ"علي الكوفية"، الأغنية التي أبكت الشيوخ، ورقص عليها الكبار رقصة الحرب، وحركت أصابع الشباب للبحث في محرك قوقل، فمجرد أن تكتب كلمة "كوفية" في المحرك سيظهر لك: "كوفية عساف، كوفية عساف كلمات"، فهذا لوحده إنجاز لم تنجزه الاجتماعات والندوات السياسية.
ألم يحن لنا أن نعي أهمية الفنون بكل أنواعها؟، ألم يحن لنا أن ندرك أن الغناء نوع من أقوى أنواع الأسلحة؟، هل نسينا أن أجدادنا كانوا يحمسون بعضهم البعض بترديد أغاني الحماسة في الحروب؟، ليس فقط في الحرب، ولكن أيضا في أي عمل جسدي مرهق كالغوص وبناء السفن، فالغناء بالنسبة لهم كالغذاء يصبرهم ويقويهم ويشد من أزرهم.
يقول أفلاطون: "إن هذا العلم لم يضعه الحكماء للتسلية واللهو، بل للمنافع الذاتية ولذة الروح والروحانية وبسط النفس وترويض الدم. أما من ليست له دراية بذلك فيعتقد أنه ما وضع إلا للهو واللعب والترغيب في لذة شهوات الدنيا والغرور بما فيها"، ولنعلم أن الشعوب القديمة ـ عربية كانت أو غير عربية ـ استخدمت الغناء كوسيلة من وسائل التطبيب والعلاج، فـ"أبو قراط" هو أول من استخدم الموسيقى بين اليونانيين إيمانا منه بقدرتها على تخفيف التعب والإرهاق وتعديل المزاج الحاد وشفاء الأمراض النابعة من الإنهاك العقلي والجسمي.
أما الأطباء العرب الذين استخدموا الموسيقى، فمنهم: أبو بكر الرازي، والفارابي، وابن سينا، والكندي؛ إذ أثبت أبو بكر الرازي أن للموسيقى آثارا سحرية تقي من تأجج أزماتهم النفسية، والكندي كان يعتقد أن للألحان الموسيقية آثارها الحسنة على صحة الجسم، إذ إنها تستخدم كمقويات للدم وكمسكنات ومساعدة على التخلص من عسر الهضم. ويقول الكندي كذلك إن لآلة العود قدرة فائقة على التخلص من الآلام جميعها، ولذلك أدخل الآلات الموسيقية كالدفوف والأعواد لمعالجة مرضاه، وهو من أضاف الوتر الخامس للعود ونفذه عمليا زرياب. أيضا لابن سينا قوله المأثور: "الغناء أحسن رياضة لحفظ الصحة من العناء"، والفارابي كان يفخر بأنه يجيد العزف على العود، بل أكد على الأثر الإيجابي للموسيقى في الحياة المدنية، خاصة عندما تتلبس بقول الشعر.
ويذكر أخوا الصفا في رسائلهما شيئا عن استعمال الموسيقى في مشافي "المجانين" التي وجدت في ذلك العصر، إذ كان الأطباء العرب يستخدمون الموسيقى لتخفيف الآلام عن مرضاهم من المجانين والمصروعين أثناء النوبات، ويؤكد أخوا الصفا كذلك أن الموسيقى تؤدي إلى السكينة الكاملة والطبيعية لدى المرضى بعد الاستماع للنغمات الموسيقية.
ورغم كل هذه الفوائد يكفي محمد عساف فخرا أنه ذُكر في جميع قنوات الأخبار العالمية بصفته شابا فلسطينيا من "فلسطين"، ولو تعلمون كم يحرقهم قول كلمة "فلسطين" التي حاولوا بشتى الطرق محوها من الوجود بعدة بدائل كالضفة أو غزة أو القطاع أو ما بعد 48 أو... أو... أو...
فهنيئا لمحمد عساف فوزه، وهنيئا للشعب الفلسطيني انتصارهم مرتين في أقل من سنة، عندما أصبحت "فلسطين" "دولة" مراقب في الأمم المتحدة، وعندما أعلنت جميع قنوات العالم فوز شاب "فلسطيني" في مسابقة بريطانية الفكرة والمنشأ.