قرأت ذات مرة نصًا بعنوان (المدن.. رائحة) للشاعر الكبير محمود درويش، أحد أهم الشعراء الفلسطينيين الوطنيين، وأحد أبرز من أسهم في تطوير الشعر العربي الحديث، وأدخل الرمزية فيه. وفي ذلك النص أذكر أن الراحل سمى مدنًا معينة ومنها: (عكا) و(موسكو) و(القاهرة) و(بيروت) و(باريس) و(دمشق) و(تونس) و(الرباط)، وذكر الروائح المادية التي تعبق بها كل مدينة. ومؤكدا أنه لم تسعفه ظروفه لذكر مدن لا تقل أهمية عما ذكره؛ كمكة والمدينة والقدس، وغيرها كفاس والرياض وجدة وأبوظبي ومسقط وإسطنبول وعَمان وزنجبار وجاكرتا وتريم وكيرلا وغيرها.. مناسبة هذه المقدمة فراغي للتو من جولة ممتعة داخل العاصمة العلمية للمملكة المغربية؛ وإن قلت وغيري ذلك فالمراد مباشرة تلك المدينة العريقة؛ مدينة فاس.. الإخوة المغاربة هنا يتغنون كثيرا بفاس، ويرددون عبارة مشهورة هي "فاس.. والكل في فاس"، والمعنى أن بلدتهم هذه حوت كل شيء؛ والحق أنها كذلك.

يعود تاريخ مدينة فاس إلى القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي، عندما قام مولاي إدريس الأكبر بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب مؤسس دولة الأدارسة عام 172هـ/789م ببناء مدينة على الضفة اليمنى لها لتكون بدلاً للعاصمة القديمة، ثم وفد إليها عشرات العائلات العربية من القرويين والأندلسيين.. فاس كانت ضمن دولة الأمويين في الأندلس لمدة تزيد على الثلاثين عاماً، وتمتعت بالازدهار. ولما غابت شمس الخلافة الأموية عن قرطبة وقعت تحت سيطرة الأمراء الذين كانوا على خلاف مستمر فيما بينهم، وظلت إلى قدوم دولة وسلالة المرابطين، فالموحدين، فالمرينيين، فالوطاسيين، فالسعديين، إلى العلويين الموجودين الآن ـ علويي المغرب.. سلالة من الأشراف ينتسبون إلى القاسم بن محمد النفس الزكية بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى، وحكموا المغرب منذ 1666م ـ وأصبحت فاس مرة أخرى مركزًا حضاريًا متميزًا.

لن أتناول في هذا المقال هنا ينابيع فاس، وأنهارها، وقنوات مياهها، ولا غاباتها، ولا موقعها الاستراتيجي.. كما أني لن أتناول معالمها الأثرية، وبواباتها الثماني، وما ضمته أسوارها من مستشفيات، ومساجد، كالقرويين، والأندلسيين، والحمراء، والرصيف وغير ذلك.. ولكني سأتناول وعلى عجل بعض مشاهداتي عن المكانة العلمية لفاس، والتي حتمًا يشعر بها كل متلمس لذلك.. في فاس صليت الجمعة في جامع القرويين، الذي أسسته السيدة فاطمة بنت محمد الفهري عام 245هـ/859م، ومررت بأقدم جامعة ثقافية (مستمرة) في العالم، تخرج فيها معظم علماء الغرب؛ جامعة القرويين.. الوقفة هناك تذكر العقل والقلب بفقيه القيروان المالكي الشهير أبي عمران الفاسي، وابن البناء، أحد أشهر علماء الرياضيات والفلك، والفيلسوف ابن باجة، وابن خلدون، ولسان الدين ابن الخطيب، وغيرهم كالشيخ أبي العباس التيجاني، والسيد عبدالعزيز بن مسعود الدباغ، ثم دخلت مكتبة القرويين، والتي تسمى (خزانة القرويين)، ذات الكنوز الثمينة من المخطوطات النادرة التي يرجع تاريخ إنشائها إلى منتصف القرن الثامن الهجري، وأمينها الحالي ملتزم بمبدأ (الأحمق من يعير كتابه، وأحمق منه من يرده).. الإنسان الفاسي يفتخر بأنه حفيد السلالات الأصيلة، والدول القديمة، ويفتخر بأن الدلائل على مفاخره حية ومشاهدة، وليست مجرد أسطورة تحكى.. الحديث عن فاس يطول، وما أردت إلا إشاعة رائحة هذه المدينة العتيقة، والدعوة إلى محافظة من يعيش اليوم على ما خلفه من عاش الأمس؛ إن أراد أن يخلد ذكره بين الناس في الغد.