كم مرة قرأتم أو سمعتم هذا القران اللغوي ما بين جماعة الإخوان المصرية وبين المصطلح الشائع (سنة أولى سياسة)؟ والقصة للإنصاف وبيان الحق ليست حكراً على جماعة الإخوان المسلمين: بعد عامين ونصف مما يسمى بالثورة المصرية لم تكشف هذه الأدبيات السياسية المتلاطمة إلا عن عورات مصر، عن هشاشة نخبها الثقافية، وعن ضعف هيكلها الثقافي، وعن خوار بنيتها التحتية في التنمية الإنسانية. بكل الاختصار: هذه الثورة كشفت عن غطاء مصر التي كانت في أعيننا من قبل الثورة، وبالوهم الكاذب، قبلة ثقافية ومحجة سياسية وكعبة كنا نظن أننا لا بد أن نحتكم إليها عندما تأتي قياساتنا للريادة والقيادة، وأيضاً للمثال والقدوة. هذه الثورة، وأرجو ألا يغضب الإخوة الأشقاء في مصر، لم تسقط نظاماً استبدادياً ديكتاتورياً فحسب، بل أيضاً كشفت عن سقوط مصر، وعورات مصر. بعد عامين ونصف العام من كل (سهرات المساء) على الديماغوجية السياسية وعلى الحوارات البيزنطية على كل القنوات، وبكل ما استمعناه من مصر إلى كل هذه اللغة السياسية الرخيصة الهابطة أستطيع الآن أن أقول بكل صراحة إن السبب الكاشف عن عورة مصر لم يكن ثلاثة عقود من حكم الفرد بل ستين عاماً من ضياع التعليم وعن ثلاثة أجيال من نصف الأمية أو الأمية المكتملة. مصر كانت صرحاً من خيال فهوى، وخذ من الأمثلة هذا (القياس) الواضح عن جهل النخبة السياسية المصرية حتى من القدرة على قراءة ما كان بدهياً أبجدياً في القراءة السياسية لخراج الصندوق الانتخابي الذي احتكمت إليه مصر بكل نزاهة في اختيار دولة السيد الرئيس. تقول الأرقام الإحصائية الرسمية من الجدول السياسي المصري إن هناك اليوم 87 حزباً سياسياً رسمياً بالترخيص حسب إضبارة القانون. وداخل هذا الجدول، ومن الطيف السياسي الليبرالي 23 حزباً بأسماء مختلفة رغم وحدة الهدف والأجندة. وفي المقابل النقيض تحتشد تيارات العمل الإسلامي بواحد وعشرين حزباً سياسياً رسمياً من قوس قزح الواسع: من الجماعة الإسلامية حتى تيارات السلفية وصولاً إلى انشقاقات الإخوان المسلمين الحزبية.
هذا الرقم الخرافي من الأحزاب في دولة وليدة ناشئة إلى الحرية لا يكشف فحسب عن ضعف البنية السياسية، بل، وهو المهم، عن الأمية التعليمية.
هنا سنعود للخلل في قراءة خراج الصندوق الانتخابي. أول الأبجديات التي تقولها أرقام الصندوق المؤمنين بنزاهتها أن هذا الصندوق لم يعط على الإطلاق تفويضاً مطلقاً لفرد أو حزب أو طائفة أو جماعة. خرجت مصر من الصندوق الانتخابي (تفاحة) مقسومة بالسكين العادل إلى نصفين وبزيادة طفيفة تقدر بأجزاء من الكسر العشري. وبجزء نادر شارد من هذا (الكسر العشري) ظنت جماعة الإخوان المسلمين أن نصف مصر بأطيافها وأحزابها وملايينها مجرد ملحق تحتي أو علوي في عمارة شاهقة. بهذا الجزء الشارد من الفوز حتى بنسبة من كسر عشري فوق (المنتصف) أرادت جماعة الإخوان المسلمين أن تعبر إلى مرحلة (التمكين) حسب أدبيات الجماعة. لم تفهم الجماعة أنها تختصر كل مصر وأيضاً تحتقرها حين فازت بالمرشح الاحتياط (الإستبن)، ثم تختار سكرتير وزير الري لرئاسة الوزارة، عاندت هذه الجماعة كل مؤشرات خراج الصندوق الانتخابي كي (تؤخون) الأوقاف والرياضة والثقافة في استفزاز للنصف الآخر المكتمل، ثم، وللمثال فقط، وفي أسوأ الظروف وأدق المراحل، يختار دولة الرئيس، محافظاً للأقصر من الجماعة الإسلامية في نفس ذكرى الشهر الذي قتلت فيه الجماعة نفسها أربعين سائحاً في ذات المحافظة. لم تفهم جماعة الإخوان المسلمين أن الفشل الإداري المكتمل في العام الأول من أي انتخابات ينقل الحاكم والحزب من خانة الأغلبية إلى الأقلية، فكيف إذا كان اليوم الأول من الفوز الانتخابي قد انتهى بفوز بكسر عشري فوق المنتصف لتفاحة منقسمة.
هذه الحقائق تضع النخبة المصرية مجتمعة في خانة الغباء والجهل السياسي، بل أيضاً في خراج هذه الأمية المكتملة. وغداً ستخرج مصر إلى مرحلة جديدة من المأساة السياسية لتضيف بتمرد (30 يونيو) رقماً جديداً إلى مئة ألف تظاهرة من قبل بحسب موقع صحيفة (الأخبار) الإلكتروني. وفي الجواب الأخير عن السؤال: لماذا ستخرج مصر غداً في رقم جديد من الغوغائية سأقول الجواب: لأن هذا خراج ستين عاماً من ضياع التعليم ومن الأمية المكتملة.