بعد أقل من أسبوعين على قيامي بإجراء مقابلة في واشنطن مع جلعاد أتزمون، وهو عازف سكسفون عالمي، وكاتب غزير الإنتاج، سعدت باستلامي النشرة التي ينشرها أسبوعيا من إنجلترا. شعرت بسعادة أكبر عندما قرأت الافتتاحية التي كتبها أتزمون في العدد الذي نشر في 11 يونيو إذ يقول:

"شعرت بالفخر والسعادة لرؤية كتابي "من المتجول؟" يرفع عاليا بيد رئيس الوفد الإسرائيلي سايان هيلل نيور في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. الكتاب تم تقديمه على أنه "الدليل ب" في محكمة تلمودية هزلية، عينت نفسها ضد البروفيسور ريتشارد فولك، الذي أعطى اسمه ـ بين عدد من الإنسانيين والمثقفين ـ دعما لكتابي".

لماذا يجب تقدير هذا الوصف للتصرف الافترائي ضد أتزمون وضد البروفيسور فولك، من قبل ممثل إسرائيل في مجلس حقوق الإنسان نيور، والذي وصف الكتاب بأنه "معاد للسامية"؟؛ لأن الحدث يكشف أن دولة إسرائيل ودبلوماسييها المفترضين ليسوا إلا بلطجية يستخدمون مطرقة "العداء للسامية" لإسكات أي انتقاد لممارساتهم. البروفيسور فولك وأتزمون، هما من أكثر النقاد الجريئين الشرفاء لإسرائيل في العالم اليوم. هما لا يرضخان لما يسمى اصطلاحا "الصواب السياسي"

لكن المفاجئ والمزعج هو أن "المصدر" الذي استخدمه البلطجي الإسرائيلي نيور لمهاجمة أتزمون هو فلسطيني أميركي ـ علي أبو نعمة من موقع الانتفاضة الإلكترونية ـ الذي يقول إن كتاب أتزمون هو "معاد للسامية" في الوقت الذي اعترف فيه في 2012 أنه لم ولن يقرأ الكتاب. هذا نقد ذاتي في أسوأ صوره. وهذا يمكن أن يفسر سبب كون اللوبي الإسرائيلي قويا لدرجة يسبب فيها كل هذا الضرر للحياة السياسية والولايات المتحدة والعالم.

جلعاد أتزمون، المولود في إسرائيل، والجندي السابق في الجيش الإسرائيلي، يثير غضب اللوبي الإسرائيلي لدرجة كبيرة في كل مرة تتم فيها دعوته ليتحدث في مناسبة علنية، أو يجري مقابلة مع الراديو أو التلفزيون أو الصحافة، أو كلما يتم الاستشهاد بكتابه "من المتجول: دراسة لسياسة الهوية الإسرائيلية". لكنه أيضا يثير غضب جميع الناشطين الأميركيين الذين يحاولون الدفاع عن الشعب الفلسطيني وحقوق الإنسان دون الإساءة إلى اللوبي الإسرائيلي.

لا يمكنك الدفاع عن الفلسطينيين دون الإساءة إلى الصهاينة. فهم يشعرون بالإهانة بسهولة، وحاليا يدعي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن أي شخص يتهم إسرائيل بأنها دولة تحتل أراضي الغير، أو أ ي صحفي ينقل أخبار الضرب والقتل والتعذيب الإسرائيلي للفلسطينيين في الضفة الغربية، في غزة، أو في السجون الإسرائيلية بأنه يقوم بـ"تدمير" إسرائيل. وأتزمون يذهب أبعد من ذلك بكثير ـ هو يشكك حتى بحق إسرائيل في أن تكون "دولة يهودية" ويشكك بجوهر "الهوية اليهودية".

بالنسبة للذين يعرفون الجرائم الإسرائيلية على مدى عقود، فإن أتزمون، الذي يسمي نفسه "يهودي سابق"، سيحظى بالتقدير لصراحته. يقول أتزمون في كتابه:

"في نهاية طريق مغبر وسخ، في يوم حار في أوائل شهر يوليو، وصلنا إلى الجحيم على الأرض. مركز الاعتقال الضخم كان محاطا بأسلاك شائكة ... كنا نرى آلاف المعتقلين في الهواء الطلق تحرقهم أشعة الشمس... مشينا على طول الأسلاك الشائكة وأبراج الحراس التي بدت بلا نهاية. لم أصدق ما تراه عيناي.

سألت الضابط "من هؤلاء الناس؟"

"فلسطينيون..."

"وفيما استمررت في السير على طول الأسلاك الشائكة، استمررت بالتحديق في المعتقلين، ووصلت إلى حقيقة لا تحتمل: كنت أمشي على الطرف الآخر، في لباس عسكري إسرائيلي. المكان هو معسكر اعتقال. المعتقلون هم "يهود"، وأنا لست إلا "نازيا".

هل تغيرت الأمور منذ ذلك اليوم الحارق من عام 1984؟ لا، لم يتغير شيء. السياسة الإسرائيلية في الواقع تزداد سوءا يوما بعد يوم، وبروز ما يسمى عقلية المستوطنين أصبح يهيمن على الحراك في السياسة الإسرائيلية. يقول أتزمون: إن هذا توسيع قانوني لتأكيدات "الدولة اليهودية". ويعيد أتزمون رواية نقاش دار قبل ذلك بسنوات، عندما قال الدكتور نورتون ميزفينسكي، الذي كان قد ألف كتابا حول الأصولية اليهودية، مخاطبا أتزمون بتفحص حركة الحاخام الإسرائيلي اليميني المتطرف مائير كاهانا. أتزمون رأى أن ذلك الاقتراح غريب لأنه كان يؤمن أن كاهانا ـ كما أثبت التاريخ ـ هو عبارة عن شخصية غير هامة. ولكن الآن، كما يقول، تنامى الحراك الذي كان يمثله كاهانا أكثر فأكثر. إنها ليست صورة جميلة.

يقول أتزمون في إحدى إشاراته الكثيرة التي يتحدث فيها عن المستوطنين: "المستوطن تؤججه معاني متماسكة. حتى عندما يقوم بالاستيلاء على أراض أو يقتل عائلة فلسطينية، فإنه يعرف بالضبط لماذا يفعل ذلك. المستوطن ليس شخصا يطلق النار ثم يجهش بالبكاء، لكنه شخص تقوده اعتقاداته".

مطرقة ما يسمى بـ"الصواب السياسي" وتصنيف "معاداة السامية" لا يعملان إلا إذا سمح لهما الجميع أن يعملا.

إذاً فلتبدأ المعركة. جلعاد أتزمون لا يستحق فقط الاستماع إليه، لكنه يجب أن يتم الاستماع إليه بشكل واسع. كتاب "من المتجول؟" يحوي كشفا عن جرائم مدفونة منذ زمن بعيد ترتكبها إسرائيل بشكل يومي، ولكن العالم سئم لدرجة جعلته لم يعد يهتم بالأمر.