استكمالا للمقالات السابقة حول سياسة روسيا الخارجية، تجدر الإشارة إلى أن أي تحليل سياسي يظل مجرد وجهة نظر تكشف جانبا واحدا للأمور والحقائق، ومن ثم فإن أي تحليل إنما هو يساهم بشكل جزئي في توسيع أفق فهم المسألة، ولا يمكن اعتباره بأي حال من الأحوال يوفر رؤية متكاملة أو شاملة لفهمها. إن محاولة الإجابة عن سؤال: لماذا تتصرف روسيا بهذا الشكل في سياستها الخارجية؟ شأنه شأن كل الأسئلة المتعلقة بمحاولة تفسير السياسة الخارجية لأية دولة، أمر يخضع للكثير من المعطيات المعقدة والمتشابكة التي تحتاج لكثير من التفكيك. المقالات السابقة حاولت استشراف العوامل التي تؤثر على سياسة روسيا الخارجية بشكل عام، إلا أن السؤال الأهم هو: لماذا تتصرف روسيا بهذا الشكل في منطقتنا، وفيما يتعلق بالشأن السوري تحديدا؟
تجدر الإشارة في البداية إلى أن الشرق الأوسط لا يحتل مساحة كبيرة أو اهتماما خاصا في الرؤية السياسية الروسية رغم كل الزخم الإعلامي المرادف لسياسة روسيا في المنطقة، وهو ما يتضح من خلال وثيقة مفهوم السياسة الخارجية الروسية، التي أقرها الرئيس فلاديمير بوتين، فبراير 2013 (ويمكن الاطلاع عليها على موقع وزارة الخارجية الروسية). وتحت باب الأولويات الإقليمية بالوثيقة تضع روسيا أولويات سياستها الخارجية في محيطها الجغرافي (دول الاتحاد السوفيتي السابق وأوروبا والصين على وجه الخصوص)، كما أن الوثيقة تشير للعديد من الدول بالاسم، وتؤكد على أهمية سعي روسيا لتعميق علاقاتها معها، بينما تأتي منطقة الشرق الأوسط في ذيل القائمة تقريبا دون إشارة لدولة بعينها وببنود عامة تتعلق بقضايا المنطقة كتأييد روسيا لحل سلمي للقضية الفلسطينية أو البرنامج النووي الإيراني (ذكرت منطقة الشرق الأوسط في بندين فقط من أصل 52 بنداً تحت باب الأولويات الإقليمية).
إن عوامل الموقف الروسي من الربيع العربي بشكل عام ربما تتعلق بشأنها الداخلي أكثر مما تتعلق برؤية روسيا للمنطقة أو حتى منظومة مصالحها، فروسيا تتخوف بشكل كبير من صعود الحركات الإسلامية خوفاً من انعكاس هذا الأمر على الحركات الإسلامية داخل روسيا وبالأخص في المناطق الانفصالية في القوقاز كالشيشان أو داغستان، وهي مناطق ذات أهمية استراتيجية جغرافية في روسيا. وفي حين ترى الولايات المتحدة تهديد الحركات الإسلامية لها على أنه تهديد خارجي، فإن روسيا تراه تهديدا داخليا وبالأخص في ظل وجود حوالي 25 مليون مسلم روسي يزدادون بشكل سريع، حيث يتوقع أن يشكل المسلمون خمس سكان روسيا عام 2020، وكذلك أغلبية المجندين في الجيش الروسي خلال السنوات القادمة. كما أنه ومنذ الثورة البرتقالية في أوكرانيا عام 2004 تجذرت في روسيا رؤية مناهضة للثورات عموما تخوفا من انعكاس هذا على المحيط الجغرافي الروسي الذي ترى موسكو أنه يتآكل رويدا لغير صالحها، وهو ما اتضح بشكل جليٍّ خلال الحرب الروسية على جورجيا في 2008.
من جهة أخرى، لا يمكن القول إن سياسة روسيا تجاه المنطقة مدفوعة بمنظومة مصالحها الخاصة فيها، فعلى سبيل المثال لا تشكل سورية سوى 5% فقط من حجم الصادرات العسكرية الروسية. وطبقا لأرقام "معهد ستكهولم الدولي لأبحاث السلام" (SIPRI)، المتخصص في شؤون التسلح فإن حجم مجموع الصادرات العسكرية الروسية منذ عام 1991 وحتى 2012 إلى مصر أو الإمارات يفوق مجموع حجم الصادرات إلى سورية لنفس المدة، بينما يبلغ حجم الصادرات العسكرية إلى الجزائر لنفس المدة 5 أضعاف نظيرتها لسورية على سبيل المثال.
وبالمقارنه مع سورية التي يبلغ حجم تبادلها التجاري مع روسيا أقل من 2 مليار دولار، فإن حجم التبادل التجاري الروسي مع تركيا يبلغ حوالي 32 مليار دولار، حيث تعد روسيا أكبر دولة مصدرة لتركيا (ارتفعت حجم الصادرات الروسية لتركيا بنسبة 597% من 2001 إلى 2011)، واستقبلت تركيا 3.5 ملايين سائح روسي عام 2011، عدا أن الاستثمارات الروسية في تركيا تتجاوز 20 مليار دولار. ورغم زيارة إردوغان لموسكو في يوليو 2012 وبوتين لأنقرة في ديسمبر 2012 لم تنجح العلاقة الاقتصادية المميزة لكليهما في تجسير اختلاف الرؤى حول الشأن السوري.
إن سورية لا تمثل لروسيا في حقيقة الأمر سوى مجرد ورقة ضمن الكروت السياسية التي تستخدمها، فروسيا التي لا تملك منافذ بحرية محكومة في خط تجارتها العالمي بمضيقي البوسفور والدردنيل اللذين يقعان في تركيا، وتصبح العلاقة الروسية – السورية هنا في جوهرها أداة ضغط روسية على تركيا التي تتحكم بمنفذ روسيا على العالم. ويتضح هذا الأمر أكثر عند النظر في البعد الاستراتيجي للقاعدة الروسية في ميناء طرطوس، فالقوة العسكرية الروسية في واقع الأمر هي قوة برية (land power) وليست قوة بحرية (naval power) كما الولايات المتحدة، وعليه فإن ميناء طرطوس لا يخدم أية أهداف استراتيجية سوى الضغط للحفاظ على حرية التنقل بين البحر الأسود والبحر المتوسط عبر المضائق التركية، وهو هدف يمكن لقاعدة مشابهة في قبرص القيام به، وليس ميناء طرطوس بتلك الأهمية التي يعزوها البعض. العلاقة الروسية الأكبر في المنطقة هي تلك التي بين روسيا وتركيا من جهة وبين روسيا وإسرائيل من جهة أخرى، حيث تتعاون روسيا وإسرائيل في مشاريع تصنيع عسكري مشترك، وحيث يمثل المهاجرون اليهود الروس حوالي 20% من سكان اسرائيل، وحيث باتت الروسية اللغة الثالثة في إسرائيل. ومع ذلك تقف روسيا في المحافل الدولية موقفا معاديا لإسرائيل في كثير من الأحيان.
إن الشرق الأوسط الذي يعد مطمعا للدول الغربية أو الشرقية كالصين بسبب ما يملكه من نفط وغاز، هو في المقابل تحدٍّ لروسيا بسبب كونها أيضا موردا عالميا رئيسا للنفط والغاز، فأحد مصادر قوة روسيا اليوم هو قدرتها على احتكار توريد الغاز لأوروبا مع ما يمثله هذا من قوة في فرض القرار، ويظهر هذا الأمر في استثمار روسيا في قدراتها لتوريد الغاز لأوروبا حتى بما يفوق الاستهلاك الأوروبي، فمجموع قدرات خطوط أنابيب الغاز الروسية لأوروبا يصل إلى 250 مليار متر مكعب في السنة (خط أوكرانيا 140 – خط نورد ستريم 1 و2 إلى ألمانيا 55 – خط يامال أوروبا عبر بولندا 33 – بلو ستريم إلى تركيا 16 – خط البلطيق 12) بينما مجموع استهلاك أوروبا للغاز الروسي في 2011 بلغ 151 مليار متر مكعب فقط، وحاليا تعكف روسيا على بناء ثلاثة خطوط جديدة (ساوث ستريم عبر البلطيق 63 مليار متر مكعب – نورد ستريم 3 و 4 بسعة 55 مليار متر مكعب – يامال أوروبا 2 بسعة 15 مليار متر مكعب)، ما سيجعل القدرة الكلية لتصدير الغاز الروسي لأوروبا تبلغ 380 مليار متر مكعب في السنة.
قبل ثلاثة أعوام طرح بشار الأسد رؤية استراتيجية تكون فيها سورية معبرا يربط البحار الأربعة (الخليج العربي – بحر قزوين – البحر المتوسط – البحر الأسود) وبالأخص فيما يتعلق بنقل النفط والغاز والبضائع، فالجغرافيا السياسية السورية تفرض هذا التوجه عاجلا أو آجلا. ولكن ضمن الرؤية الاستراتيجية الروسية لاحتكار تصدير الغاز لأوروبا وضمان عدم المنافسة في التأثير السياسي عليها، تجد روسيا من الصعوبة بمكان السماح لتحول سورية إلى معبر لنفط وغاز الخليج وبحر قزوين إلى أوروبا. وبعيدا عن الشعارات السياسية بالموالاة أو المعارضة فإن سورية والشرق الأوسط عموما لا يمثلان لروسيا سوى حجراً آخر من الأحجار على رقعة الشطرنج الكبرى.