قد يكون أدق وصف لما يحدث في عالمنا بعد طغيان شبكات التواصل الاجتماعي وطفرات ما بعد العولمة، هو ما قاله بول فيريليو ونقله لنا عربيا علي حرب في كتابه حديث النهايات: "إننا نعيش اليوم نهاية الجغرافيا".

اليوم لم يعد هناك فاصل بين الثقافات والأفكار، ولم تعد الحدود والمسافات تؤطر الحضور البشري، فالعالم أصبح كتلة واحدة من المعلوماتية والمعرفة، وحتى اللغة لم تعد عائقا بين الأطراف، فضغطة زر واحدة تترجم لك كتابا كاملا بالصينية.

ويبدو أن مسألة الخوف من التجديد وإفرازات الحداثة لم تعد هاجسا أمام الإنسان العربي، فهو ليس لديه أي خيارات، فإما أن ينخرط في هذا العالم أو يبقى خارج دائرة المعرفة والتلقي والحضور والتفاعل.

لكن تبقى الإشكالية في قدرة النخب الثقافية على احتواء هذا التدفق المعرفي وتوجيه العامة، ويؤكد علي حرب أن النخب الواعية والمستنيرة من المثقفين والدعاة هم الأقل فاعلية وحضورا على المسرح، قياسا برجال الوسائط ومهندسي الحواسيب ورجال الأعمال وغيرهم من المؤثرين في إحداث ثورة الابتكار والخلق.

ويفضل حرب استخدام مصطلح "عمال المعرفة" لوصف الأشخاص الذين يقودون التأثير في عالم الشبكات وطفرة العولمة. يقول إن هذا المفهوم يكسر ثنائية النخبة والجماهير ويحرر الناس من سلطة النخب الواعية، وذلك بالكف عن التعامل معهم كجماهير تحتاج إلى الوعي والاستشارة.

ويبدو أن صديقنا الكاتب أحمد العرفج انتبه مبكرا لهذا المصطلح واستخدمه لنفسه، في محاولة منه للانعتاق من وصف "المثقف" والمضي قدما نحو تحقيق ما ينفع الناس دون الوصاية عليهم.

ويبرر العرفج استخدامه للمصطلح بالقول إن مصطلح "عمال المعرفة" يزيح مفهوم الشيخ والفقيه والعالم والمفكر والمثقف، حيث يصبح عمال المعرفة وسطاء فيما بينهم، يشتغلون على الأدوات لا النقولات، والأهم أنهم لا يمارسون الأستذة على الآخر.