لم يكن الخوارج في الحقيقة إلا جماعة من المسلمين شديدة التدين، غالت في تدينها فاختلط عليها أمر الدين والمجتمع، ووقعت في المحذور بكل تفاصيله وأخطائه، نتيجة العجز والقصور الفكري الذي لم تمنحه المساحة الكافية للتفريق بين ما هو (لاهوتي)، وبين ما هو (ناسوتي). ورغم ظهور هذا الفكر في أواخر عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، إلا أن التاريخ الإسلامي يعزو إلى (فرقة الخوارج)؛ ابتداع الأسس الرئيسية الأولى لهذا الفكر المحرض على القول بتكفير الحاكم والخروج عليه بشكل خاص، وتكفير المسلم والتأصيل لذلك. ومن المفارقة أن التطبيق الأول الصريح لفكر (الخروج والتكفير) جاء غير منطقي، حين وُجه إلى شخصية عظيمة في التاريخ الإسلامي كشخصية الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهي الشخصية التي يتفق على صلاحها كل الفرقاء الفكريين وغيرهم في تاريخ الإسلام!

ما زلت أتذكر فترة (التسعينات الميلادية)، التي نشطت فيها بعض الحركات الفكرية الدينية، للاستيلاء على المشهد الاجتماعي العام، من خلال تجييش كثير من الأتباع ونشرهم في كل مدن وقرى المناطق المختلفة، في محاولة حثيثة للسيطرة على المجاميع البشرية فكرياً، وذلك من خلال بث فكر أحادي صرف، يرى العالم من ثقب ضيق وحيد لا غير! وقُدر لي معايشة تلك الأحداث في منطقتين متجاورتين، هما (عسير) التي كانت مكبرات الصوت تخترق سماءها، "ملعلعةً" بأصوات خطباء لا يملك بعضهم من الثقافة الإنسانية العظيمة إلا شجاعة الوقوف على المنابر، و(جازان) التي ازدحمت بالمخيمات الصيفية الدعوية وحلقات الدروس الموجهة! وأتحفظ كثيراً على مصطلح دعوية، ورأيت الأمر يحدث بطريقة لم أستوعب ماهيتها في البدء، لكنها لم تعجبني ولم أستسغها على أية حال! ولم أشارك في أيٍ منها على الرغم من ضغط بعض أصدقائي في ذلك الاتجاه، وهجرني معظمهم بسبب مواقفي المتحفظة تلك! بينما انخرط كثير من الشباب اليافع قليل الخبرة والتعليم، وكثير من الذين أعرفهم في محيطي في برامج وأنشطة تلك الحركات (الدعوية)، غير عارفين أو مستوعبين بما يدور خلف أبواب -الغرف الخلفية- للرؤوس القائدة، وأُفهموا أنهم إنما يعودون إلى الله تعالى، وكأنهم إنما كانوا ضالين الطريق إليه! أو كأنما قد (صحوا) أخيراً من ضلالٍ مُطبقٍ كانوا فيه! وهو ما صوره لهم (مشايخ الشريط) في خطبهم الرنانة، وبكائياتهم التي لعبت على وتر عاطفة أفراد مجتمع متسامح ومتدين بأصله، وترهيبهم من تعذيب وتنكيل الله تعالى إن هم بقوا على ما هم عليه! عملاً بقاعدة إن أردت السيطرة على أحد فعليك بتخويفه، بدلاً من ترغيبهم بالدعوة إلى محبته وكرمه ومغفرته! مما أثر تأثيراً عميقاً في وجدانهم وأرواحهم، فكان أن حدثت ردات الفعل العنيفة عند البعض، ليتحول بين عشيةٍ وضحاها إلى مُتدينٍ (مُتشدد عنيف)، يعتلي المنابر للخطابة، ويُرسل بكل بساطة فتاوى التحليل والتحريم التي لا تنطلق من قواعد فقهية عارفةٍ بأصولها! الأمر الذي أدى إلى إشعال خلافات وصدامات حادة حتى بين أفراد الأسرة الواحدة، وما زلت أتذكر تفاصيل أغلب قصص تلك الخلافات الغريبة!

لكن قلةً من أولئك المنخرطين في تلك المخيمات والبرامج، سرعان ما عادوا مرة أخرى إلى طبيعة فطرتهم الأولى، بعد أن وجدوا أنفسهم غير مستوعبين لكثير مما كانوا يُدفعون إليه دفعاً جلفاً أحياناً، وليُسرّوا إلي بأمور لا أصفها إلا بما قال تعالى: "إن تبدُ لكم تسؤكم".

قبل ذلك لم يكن الناس في مدينتي خارجين عن (دين الله تعالى) ذات يوم، حتى يُدعون إلى الهداية والتوبة! ولم تكن مدينتي مقسمة على مستوى الفكر الديني، كما حدث لاحقاً على يد تلك الجماعات الحركية، التي صنفتهم تصنيفاً بائساً ما بين "إخواني وسلفي وجامي.. و.. و.."! نتيجة الصراعات المحتدمة بين تلك المجاميع المتقاربة فكرياً، المتباينة رأياً وسلوكاً، وأفرزت تعصباً ممجوجاً خلقه ما تؤمن به من (الفكر والرأي)، داعمة إياه بكل ما أوتيت من إمكاناتها المادية والبشرية، فيما يُشبه التعبئة العامة، والتهيئة النفسية المعتمدة على مبدأ التحريض، نحو مستقبل مأزومٍ غائم الملامح والتضاريس! وهو ما لا يمكن قبوله فطرياً عند من هو مسلم العقيدة في الأصل بنشأته ويومياته وممارساته.

لم يكن ذلك مما عرفه واعتاد عليه أهل مدينتي على اختلاف مشاربهم التعليمية والثقافية، لكنهم قبلوه ببراءة، باسم الله تعالى، وباسم رسوله الكريم، وباسم الدين.. هكذا ببساطة، وهم غير ملومين على ذلك أبداً، فقد كانوا بكل بساطة أيضاً مسلمين ومؤمنين كما يُحب ربنا ويرضى.

إن محاولة اختطاف المجتمعات، وتغييب عقلها ووعيها تحت أية ذريعة كانت، لن تكون إلا فكرة شاذةً خارجة عن طبيعة المنطق قطعاً، فهي تتفق أكثر مع وحشية الغابة وقوانينها، لا مع فطرة الإنسان البيضاء، ومحاولات تبريرها غير مقبولة بالمطلق، وعلينا واجب التصدي لأي فكر يسعى إلى تجزئة المجتمع الإسلامي، وتقسيمه على أساس مذهبي أو طائفي، فقد أخرجتنا بعض تلك الحركات من كوننا "أمةً وسطا" كما قال الله تعالى، إلى أمة إسلامية محتقنة، تُقدم صورتها للعالم من منظور التطرف والتشدد، لا أمة متسامحة تعكس حقيقة معنى الإسلام السمح، لينطبق علينا قوله تعالى: "كنتم خير أمة أُخرجت للناس".