في البرنامج الوثائقي "الجلادون" روى أحد الضباط البريطانيين العاملين في جنوب أفريقيا ممن مارسوا التعذيب ضد سكانها الأصليين، قائلا:

كنا نخرجهم مجموعات وأفرادا لنعدمهم، طلب أحدهم ألا نعصب عينيه وفضّل أن يكون وجهه في مواجهتي، وطفق ينشد نشيده القومي رافعا يده بالتحية العسكرية غير آبهٍ بي وبالرصاص الذي أطلقه عليه. ويعلق الضابط الجلاد بالقول: "ما زلت حتى اليوم أحترمه وأحتقر نفسي".

مثل هؤلاء الثوار هم الذين يدقون باب الحرية، لكن فتح الباب يحتاج ثوارا حكماء يقودونهم من طراز نيلسون مانديلا.

إنني أشعر بالاعتزاز حين وقفت بلادي ضد الحكم العنصري في جنوب أفريقيا ومع حق شعبها في حكم بلادهم. ولم يخل خطاب من خطاباتنا في المحافل الدولية من تأييد ثوار أفريقيا، إضافة إلى أن قضيتهم احتلت مساحة واسعة من أدب أدبائنا السعوديين.

جيلنا لم يعرف مانديلا إلا قبيل إطلاقه، حين بدأ التحضير لإنهاء الحكم العنصري هناك بعد أن أصبح هذا الحكم عارا على بريطانيا خاصة، وعلى العالم عامة.

كنت ممن شاهدوا لحظة خروجه من السجن في هدوء شامخ رافعا قبضته بحقه وانتصاره بعد 27 سنة خلف القضبان، وهي لحظة بثتها التلفزيونات على الهواء. خرج لا ليحتفل بخروجه، بل ليكمل عمله التحرري.

كان البيض ومن ورائهم بريطانيا يريدون الخروج من جحيم الثوار، لكن دون أن يتعرضوا لمحاكمات واقتصاص جراء ظلمهم، وهذا أمر شديد المرارة على نفوس الشعب الذي دفع الثمن من روحه ومقدراته ليتحرر.

ولم يكن ليقبل أحد بذلك إطلاقا لولا أن يتقدمهم رجل، كمانديلا، يثقون بحنكته وحكمته وقراره.

الهدف من الثورة والتضحية هو أن تعيش الأجيال القادمة حرة وتحكم نفسها، وليس الهدف هو الانتقام، وهو ما يدركه الثوار الحكماء الذين يفتحون باب الحرية.

خرج مانديلا منتصرا مبتسما ليترأس جنوب أفريقيا، واضعا المبدأ الشهير "نغفر لكن لا ننسى" عنوانا للتعامل مع الجلادين العنصريين.

قبل سنوات وفي قلب البرلمان البريطاني أزاح مانديلا نصبا تذكاريا له اعترافا بما قدمه لشعبه وللعالم كمثال للنضال.

تحية لأيقونة الحرية نيلسون مانديلا.