ليس من الشهامة أن يشمت الرجل بما حصل لأخيه الذي كان دوما ينصحه، ولكن لأجل الاستفادة من دروس الماضي يجب على العاقل أن يبحث عن أخطائه ليصلحها.
في مقال قديم كتبته هنا بعنوان "ثورة الثورات العربية"، كان المقال منصبا على الأخطاء التي يرتكبها الإخوان في مصر، ويشير إلى أن الثورة على ذلك النظام "الإخوان" قادمة إن لم يُتدارك ما يحصل!، وكان بودي لو أعيد نشر المقال كونه مناسبا لما يحصل الآن بالضبط.
لا شك لدي أن الإسلاميين سيعودون بأي شكل، والإسلام السياسي لديه قواعد صلبة لا يمكن هدمها ببساطة كما يتصور البعض، حيث بدؤوا يتحدثون عن انهيار فكرة الإسلام السياسي!، كما لا أعتقد أن المعركة الآن هي بين الإسلام السياسي وغيره، وإنما هي بين النظام الذي فشل في إدارة الأمور "الإخوان" وغيره. ولأجل المصلحة العربية العامة أودّ الإشارة لعدة أمور حول الموضوع.
سبق وأن ألقيت محاضرة في الرياض قبل نحو 10 سنوات بعنوان "جماعات الإسلام السياسي نظرة نقدية سياسية"، تحدثت عن كثير من الأخطاء التي تمارسها تلك الجماعات، بدءا من الإخوان المسلمين والتحرير وانتهاء بالتيار السلفي السياسي، الذي كان آنذاك في طور التشكل، وواجهت حينها الكثير من المعارضة من الحضور، نظرا لخلط البعض بين الكثير من القضايا السياسية المتغيرة وبعض القضايا الدينية الثابتة، إضافة إلى خلط البعض بين الإسلام والحركات التي تنتمي إليه.
المهم في الموضوع هنا، هو أنه من ضمن ما تحدثت عنه في تلك المحاضرة، أن من أكبر الإشكالات أمام الإخوان المسلمين، هو التنظيم الدولي أو لنسميه "الأممي" (وكان الوضع آنذاك متوترا خاصة بسبب وضع حماس التي تعتبر جزءا من الإخوان)، حيث يعتبر المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين مرشدا أعلى لجميع التنظيمات التابعة للإخوان في العالم الإسلامي كله، وهي بلا شك تنظيمات منتشرة في دول العالم الإسلامي، وإذا نظرنا لهذه الهرمية التنظيمية، فإنه لا يمكن تكييفها إلا بإمارة داخل إمارة، خاصة بعد دخول الإخوان في السياسة بشكل علني!.
للأسف، إن بعض الإخوة المتعاطفين مع الإخوان لا يحاولون أن يستوعبوا الإشكالية هنا، ويهربون إلى القول بأن الإسلام لا حدود له، ويشيرون إلى اتفاقية سايس-بيكو وما إلى ذلك!، ولكن السؤال: هل ستقبل أي دولة إسلامية أخرى أن يكون لديها حزب سياسي تابع لجماعة في دولة أخرى؟ وهل وصول حزب سياسي للحكم في دولة ما يعني أنه أصبح خليفة على المسلمين أجمع؟ هذه الهرمية لا يمكن توصيفها إلا أنها إمارة تحت إمارة!، وأصبحت الجماعة عبئا سياسيا كبيرا تسبب للإخوان في الكثير من المشاكل السياسية مع دول العالم! والكلام في هذا الموضوع يطول.
لذلك أعتقد أن من أولى الأولويات أمام جماعة الإخوان المسلمين؛ كي تصحح وضعها، أن تحلّ الجماعة الشائخة، وأن تتحول إلى جماعة تركز جهودها في العمل الخيري والدعوي فقط، دون أن تتدخل في السياسة، وبالفصل التام بين الجماعة والحزب الذي تأسس تحتها، بمعنى ألا يكون للحزب السياسي أي علاقة هرمية ولا تنظيمية مع الجماعة الدعوية "الدينية" تلك، وتُتْرك كل التنظيمات التابعة حول العالم لتقرر مصيرها بنفسها. ولا أعني هنا أنه ليس لهم الحق في المشاركة السياسية، حيث سبق وأن تشكل لديهم حزب سياسي يمكنهم من خلاله القيام بالمشاركة السياسية المعلنة، ولكن بشرط عدم الخلط بين الجماعة الدعوية "الدينية" والحزب السياسي!.
"الحقيقة أننا لا يمكن أن نتوقع صورة مثالية لما قد يحدث في دول لم تعتد على ممارسة أو مشاركة سياسية حقيقية، ثم تبدأ مسيرتها الديموقراطية بلا مشاكل. ولكن، في نفس الوقت يجب أن يعرف الجميع أخطاءهم ليتجاوزوها أو يصححوها في المستقبل. فالبعض رأى أن الفرصة تاريخية لاختطاف الثورة بدلا من التضحية لمصلحة البلد!، ولذلك واجه ما رأيناه أخيرا. لم يكن من المنطق أن يستغل البعض تلك الفرصة التاريخية ليهرب بالبلد في مرحلة تاريخية صعبة هي في حقيقتها كانت مرحلة انتقالية؛ لتحقيق أيديولوجياته دون أن يحقق المظلة أو الغطاء الوطني الذي يستظل تحته جميع أبناء البلد متساوين!.
كان من الواجب أن يراعي أولئك الظرف التاريخي، وأن يجلسوا لخصومهم قدر الاستطاعة!، وهم حتى لو كانوا أقلية فهم أبناء لذلك البلد، ويشكلون شريحة كبيرة يجب مراعاتها، ولها حقوقها، ولا يعني تحقيق الأغلبية في فترة ما أنه تفويض بأن يفعلوا ما يشاؤون بتوقيع الشعب! "إذا كان الإنسان في بيته وداخل ملكه لا يمكنه أن يفرض كل ما يشاء، ولو أراد ذلك لربما عصاه أبناؤه وتمردوا عليه، فكيف ببلد شاسع يعيش فيه مختلف الأطياف والأفكار"!
أعتقد أن من أهم ما يجب أن يكون في منظور كل تلك الأحزاب السياسية أن تبدأ بتطوير ومراجعة أفكارها وآرائها السياسية؛ لتخرجها من حدودها الضيقة، وأن تحاول الرجوع لتوسيع المبادئ العامة؛ كي تشمل أكبر قدر ممكن من أطياف البلد".
الذي أخشاه أن يستمر الإخوان على نفس العقلية ونفس الأسلوب بتعليق التهم على الآخرين، والتنديد بالانقلاب والفلول!، بدلا من مراجعة أخطائهم وإصلاحها، ولا شك لدي أن أول خطوة نحو الإصلاح هو ذهاب كل الجيل الشائخ في الجماعة، واستبداله بجيل جديد يستوعب المرحلة وضروراتها.
أدعو الله أن يحفظ مصر قوية أبيّة، وأن يجنب بلادنا الفتن والقلاقل.