محمد ناصر آل مردف


الفنون على اختلاف أنواعها وتعددها (مسرحية، تشكيلية، فنون الخط العربي، فنون التصوير الضوئي، الفنون الشعبية، التراث) تعتبر أحد المقاييس التي يقاس بها تقدم أي مجتمع، كما تساهم مع غيرها من المعطيات في تشكيل شخصية أي مجتمع وتميزه عن غيره.

ونظراً للارتباط الكبير بين هذه الفنون والمجتمع كون أفراده المبدعون في هذه الفنون هم من يؤدونها، ومن خلالهم تنتج الأعمال الفنية المختلفة كالعروض المسرحية والشعبية والمعارض الفنية، ويكمل أدوارهم مجموعات من أفراد المجتمع، متلقين ونقاد ومتابعين. والمتابع لمسيرة الفنون السعودية يجد أن أحد هذه الفنون كان طاغياً وحاضراً ومتميزاً بشكل واضح ويشارك في تمثيله مجموعات كبيرة مختلفة الأعمار ومتعددة المواهب، هذا الفن هو الفن الشعبي الذي ميزه أيضاً أن مستوى حضوره وتميزه شامل لجميع مناطق المملكة، المدن والمحافظات وتنوعت وتعددت ألوانه وإيقاعاته لشكل تراث وفنون المملكة الشعبية.

وإذا نظرنا للفنون الأخرى التي لا تقل أهمية وجمالاً عن هذا الفن (المسرح والتشكيل والتصوير والخط العربي) نجد أن هذه الفنون تختلف من حيث التوهج والإنتاج والتطور من منطقة إلى أخرى.

فنجد المسرح حاضرا بقوة في منطقة ما والرسم والتشكيل في منطقة أخرى، ونجد أعدادا كبيرة من المصورين في إحدى المناطق لكنها لا تقارن بأعداد الخطاطين فيها أو في منطقة مجاورة لها، وجميع هذه الفنون لم تصل إلى مستوى انتشار الفنون الشعبية على الرغم من أن كل هذه الفنون تنفذ وتقام تحت مظلة رسمية واحدة هي الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون وفروعها في جميع مناطق المملكة.

وبالعودة لدراسة الوضع الفني السعودي بنظرة شمولية من خلال عنصرين هامين من عناصر الإبداع الفني (المبدع – والملتقي) نجد أن المتلقي للفنون الشعبية هم جميع شرائح المجتمع بلا استثناء، ليس هذه فحسب بل إن المجتمع حرص على توثيق وتناقل الفن الشعبي من جيل إلى جيل، وأشرك هذا الفن في مناسباته الاجتماعية ومهرجاناته الوطنية، كما يحظى من يشاركون في الفنون الشعبية بالاحترام والتقدير كونهم يحافظون على جزء هام من هوية وشخصية المجتمع، وهذه اللفتة أنتجت هذا الزخم والتنوع في مجال الفنون الشعبية.

وسؤالنا هنا: كوننا في هذا الوقت بالذات الذي يعاني فيه مجتمعنا من بعض السلوكيات السلبية التي تصدر من أقوى وأكبر شرائحه (الشباب) ألا تحتاج الفنون الأدائية الأخرى (المسرح والفنون التشكيلية والخط العربي والتصوير) لنفس الالتفاتة والتفاعل اللذين حظيت بهما الفنون الشعبية من أبناء المجتمع؟

من وجهة نظرنا ومن أجل المجتمع نفسه ولتقديمه بشكل راق لمعالجة قضاياه وإشكالياته الاجتماعية والاقتصادية وغيرها من خلال هذه الفنون يجب أن يتفاعل المجتمع أكثر مع هذه الفنون وأن يدعم ويشجع المبدعين المشاركين فيها. كما أن الدولة لا بد أن تنظر في وضع المؤسسات الثقافية المعنية بهذه الفنون وتبني لها المقرات المناسبة لجذب المبدعين وتستقطب الكفاءات التدريبية لتسهم في تطوير مهاراتهم وإبداعاتهم.

كما يجب على الجهات الحكومية الأخرى وانطلاقاً من مسؤوليتها الاجتماعية أن تقدم برامجها التوعوية والترفيهية من خلال هذه الفنون، ولعل تجربة أمانة الرياض في تفعيل المسرح الاجتماعي دليل واضح على نجاح هذه الفعاليات ودورها في دعم المبدعين وإيصال رسائل توعوية وتربوية من خلال فن المسرح.