تتكاثف على هاتفي مع اقتراب موسم الشهر الفضيل بعض أسئلة الأصدقاء والأهل والمعارف من الفضلاء الذين يبحثون عن (فقير) أو محتاج، ولمثل هذه الأسئلة دلالاتها المختلفة. أولى الدلالات الواهمة الخادعة تقول إن العثور على فقير أو أسرة محتاجة في مجتمعنا أصبح مثل البحث عن (الباب) في لعبة المربعات المعروفة، وفي تصديق هذه الدلالة ضرب من الاستحالة. يصعقني مثلاً آخر الأسئلة من صديق حميم أعرف ارتباطه الشديد بالقاع المجتمعي وأعرف، قبل سنوات خلت، أواخر المساءات التي كان يأخذني فيها إلى قصص محزنة من واقع حياة بعض الأسر في هذه المدينة. كل تفسير المسألة أن صديقي الودود العطوف، ارتفع مع الطفرة المالية الأخيرة إلى سقف برجوازي فصله عن (القاع)، وقد قلت له بالمكشوف هذه الجملة بلغة واضحة. ثاني الدلالات، فيما اكتشفت، أن الإخوة الفضلاء من القادرين قد فقدوا الثقة في جمعيات ومؤسسات العمل الخيري المختلفة. بات لدى قطاع واسع من الجمهور (المالي) أن هذه الجمعيات صارت بمثابة تنظيمات مقفلة لا علاقة لها بحياة الفقراء، وصار لديهم قناعة بأن أفكار (الاستثمار) في هذه الجمعيات تتغلب على الهدف المباشر من أموال الجمعية الخيرية. بات لدى قطاع كبير من هؤلاء قناعة بأن هذه الجمعيات قد أخلت بتراتبية الأولوية في الآية الكريمة (إنما الصدقات.....) حتى بات هناك ألف سؤال وسؤال من أسئلة الشك حول المصير الأخير لأموال الزكاة والصدقة. الدلالة الثالثة لأسئلة البحث عن (فقير) ليست سوى أننا مجتمع من الاتكالية ومن التعالي في البحث المباشر عن هؤلاء: نصرف كل أيام العام مكتملة في البحث عن مصادر الأرباح فوق رأس المال، ولكننا لا نخصص ولو يوماً واحداً من الشهر في البحث عن مخارج الزكاة أو الصدقة. لكن المؤكد، ودائماً ما قلتها، أن الوصفة بسيطة وجاهزة: حاول من اليوم تدريب أفراد عائلتك على أن تكون جمعية خيرية بسيطة. ستأتيك الزوجة بالفقير الخامس بعد أيام من اكتشافها للأول. درب أطفالك كيف يلتقطون في مدارسهم، بكل هدوء واحترام، مشاعر أول طفل فقير ثم لاحظ كيف تتشابك الخيوط ليكتشفوا لك قصصاً مدهشة ومعقدة. لا تركن إلى مجرد الحساب البنكي في الإعلان لتدفع إلى من لا تعرف.