لطالما كانت مصر رائدة التغيير والتوجيه للحراكات المجتمعية داخلها وخارجها حتى في أحلك الأوقات والظروف كما هي الفترة الحالية. نحن لا نملك لمصر ولأهلها سوى الدعاء بأن يعم السلام والخير أرجاءها ولا نملك سوى التقدم بالشكر لها لأنها سلطت الضوء على تطور الحراك المجتمعي الداخلي لدينا والذي ألقى بظلاله على وسائل الإعلام المحلية المختلفة التقليدية والجديدة.

مرت عشر سنوات على إنشاء مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني. سنوات كانت مليئة بالعديد من اللقاءات والمبادرات والإصدارات والتي يبدو أنها لم تكن قادرة على مجاراة سرعة تغير المجتمع السعودي وتطور احتياجاته الحوارية، والذي بدا جليا وواضحا منذ بدء الأزمة المصرية ليلة الثلاثين من يونيو.

النشاط الملحوظ لأفراد المجتمع السعودي في قراءة المشهد المصري وتحليله وسجالات الرأي على وسائل الإعلام المختلفة يحمل رسائل عديدة مهمة. كانت هناك العديد من المحاولات لتأطير هذا النشاط من منظور سياسي وإعلامي، اقتصادي وديني، ولكن الحقيقة أنه علامة واضحة على نضج الوعي المجتمعي وكسره للقوالب المعتادة. هذا النشاط الحواري المحلي، حتى وإن صاحبته اعتلالات وارتدادات، هو مؤشر على وجود طاقات هائلة ناضجة بحاجة لتوجيه واستثمار للصالح العام الداخلي.

تغيير سلوك المجتمع الحواري بحاجة لمؤسسات وجمعيات أهلية تساعد بتوجيه طاقات أفراد المجتمع الحوارية والتحليلية، والتي برزت بشكل واضح في الأزمة المصرية، ولا يمكن تلبية احتياج المشاركة الذي يعكسه هذا النشاط بلقاء أو مبادرة.

للأزمة المصرية الحالية الفضل في تقديم الدليل على جاهزية معظم أفراد المجتمع السعودي على مشاركة ومساندة المؤسسات والقطاعات الحكومية في عملية التطوير والتغيير، ولعل مشاركتهم تكون المحفز الذي سيختصر سنوات من البيروقراطية العتيدة ويساعد في الوصول إلى الرؤية والتصور التنموي الذي نطمح له.

لقد تفوق بعض السعوديين على إخواننا المصريين بتحليل أزمتهم وتقديم الحلول ورسم خرائط تصحيح المسار ووضع المبادرات حتى وصل بعضهم لتحديد الأولويات ضمن خط زمني مستقبلي! هذا الحراك الذي وإن تم إيقاده وتهييجه سياسيا ودينيا وإعلاميا، إلا أنه أفضل معيار لقياس جاهزية المجتمع وأفراده لإقرار نظام المؤسسات والجمعيات الأهلية.

النشاط الحواري التحليلي المحلي المواكب لجميع الأحداث المحلية والإقليمية لا بد أن يستثمر عن طريق نقابات مهنية محلية تساند في وضع التنظيمات ومراقبتها وتحليل الأداء وتقديم المبادرات لتطوير المجال المختصة به. هذا النشاط بحاجة لجمعيات أهلية تستثمر عقوله التحليلية النشطة لمساندة "نزاهة" ومجلس الشورى وغيرهم بحيث تكون أعينهم الميدانية حين تخذلهم أعين القطاعات الرقابية الحكومية. هذا النشاط بحاجة لاحتضان مؤسسات أهلية قبل أن تتلقفها أيد تتحكم بعنفوانهم وحماسهم وتضرب على أوتارهم العاطفية لترميهم للحيرة والضياع مع أقرب نزاع تياري.

النشاط الحواري التحليلي المحلي للأزمة المصرية لا يخلو من طوام حوارية أخلاقية تربوية، ولكن هذا يعد مؤشرا أعلى على النضج والاستعداد للمشاركة الأهلية، فالحمى التي تنهك الجسد المحموم ما هي إلا عراك مناعي لطرد الميكروب حتى يعود الجسد لعافيته.

وسائل الإعلام المحلية تغص بالقضايا والمشكلات المتعلقة بالعديد من القطاعات الحكومية والخاصة والتي فاقت جسد "نزاهة" وأعجزت قطاعات الرقابة الحكومية وأحبطت مجلس الشورى بتقاريرها المنقوصة. إقرار نظام المؤسسات والجمعيات الأهلية مهم ومفصلي حتى يتم استيعاب هذه الطاقات الحوارية التحليلية المحلية وتوجيهها لمكانها الصحيح وهو المشاركة الأهلية للتطوير ودفع عجلة التنمية. إقرار النظام سيوجه هذه الطاقات المهدرة خارجيا ويعيدها للمنارة الداخلية ورسالتها الأساسية في بناء مستقبل مشرق لأبنائهم ووطنهم.

ألم يحن الوقت لإقرار القنوات والمنصات الأهلية لمنح هذا النشاط الحواري المتقدم شرف الوفاء بواجب المواطنة؟