دعوني أولاً أورد هذه التجربة السياسية الناجحة التي أثبتت نجاحها وأثمرت نتائج كان لها الأثر في استقرار النفوس وتهدئة العقول ونجاح الخطوات.. لعل منا من يذكر فضيحة "ووتر جيت" التي كشفتها صحيفة "واشنطن بوست" ممثلة في نائب رئيس تحريرها بوب وودورد في أول السبعينات والتي أطاحت بالرئيس الأميركي نكسون.. عندها تولى نائب الرئيس جيرالد فورد بحكم القانون الرئاسة.. وأول عمل قام به بعد أن أدى اليمين الدستورية كان أن عفى عن الرئيس نيكسون.. وقامت الدنيا ولم تقعد.. لكنه عمل بكل ما يستطيع بالصلاحيات التي يملكها وبقوة الرئاسة على عدم الالتفات إلى الوراء ومناقشة الماضي وقال: من لديه رأي فليكن فيما سنعملة في المستقبل وما سيؤدي إلى تقدمنا.. ولم يسمح بمناقشة الماضي بكل أفراده وقضاياه ومشكلاته بحجة أنه سيعيد البلاد للوراء.. وأظن أن مشكلة الرئيس مرسي هي أنه سمح بمناقشة الماضي ومحاكمة الماضي بأفراده وقضاياه، مما أدى إلى دخول البلاد في معارك بين قوى لا يزال لها تأثيرها وقوتها وقدرتها على مواجهة كل برامج الرئيس وتعطيلها وجر البلاد إلى معارك أدت إلى صراع مستمر وتظاهرات وصرف الوقت والجهد في أمور عطلت كل برامج التنمية، وفي النهاية إلى إلغاء كل ما تم عمله بسبب عدم تقدير نتائج دخول الرئاسة في معارك (حتى وإن كانت بحجج مقنعة).. أوردت هذه المقدمة حتى يمكن أن يستفاد منها في المرحلة القادمة.. إدارة البلاد القادمة يجب أن تفتح صفحة جديد تتجاوز فيه الماضي بقضاياه ومشكلاته، لأن ذلك سيؤدي إلى صرف كل جهود البلاد وطاقاتها ووقتها وجهود أبنائها في هجوم ودفاع تكون نتيجته شللا كاملا للبلاد.. مرت مصر بأوقات وضعنا فيها أيدينا على قلوبنا حبا لها وخوفا عليها.. أوقات نزفت فيها دماء وضاع فيها الأمن وانخفض مؤشر الاقتصاد وساءت العلاقات الخارجية حتى مع من هم أكثر حميمية ومحبة وأكثر رغبة في الخير لمصر أرضا وشعبا.. أوقات خشينا أن تنعدم الثقة في مؤسسات الأمن والتشريع والديموقراطية.. أوقات كاد يُنظر فيها بشكل سلبي للعسكر وللقضاء ولصناديق الاقتراع.. وفي مثل تلك الحالات يصل الوطن، أي وطن، إلى طريق مسدود، لأنه لم يعد هناك منفذ يتم منه الخروج.. ثم تنفسنا الصعداء وحمدنا الله على النتيجة التي كشفت لنا أن هناك حكمة.. وهناك عقلا.. وهناك منطقا. والآن وبعد أن تجاوزت مصر أعنف أزمة سياسية بعد ثورتها.. لا بد أن تفتح صفحة جديدة لا تسمح فيها على الإطلاق بمناقشة الماضي. إن عمل توازنات يكون فيها تقدير صحيح وموضوعي ومتسامح سينم عن وعي سياسي ورؤية صحيحة ونظرة ثاقبة تنتشل البلاد من مرحلة حاسمة فقدت فيها الكثير.. ونحن إذ نسعد بهذا التحول الكبير في تاريخ مصر، ندعو الله مخلصين أن يوفق من يمسك زمام الأمور لتحقيق آمال وطموحات وطنهم، وأن تبقى مصر بجانب أخواتها صفاً وحداً على الخير وفي دروب الخير.. والأمر الآخر؛ فإنه في الفترة السابقة تراجع الاقتصاد وأصيبت موارده بالشلل وفقدت الثقة فيه، وتراجع المستثمرون والداعمون والإخوة وذلك بسبب انعدام الأمن والثقة. ومن أهم عوامل ارتفاع مؤشرات الاقتصاد وجود الأمن، وتوجيه الطاقات،كل الطاقات، لخدمة البلاد صفاً واحداً.. لأن الأمن وتضافر الجهود يحققان الثقة في البلاد ويضمنان عودة الاستثمارات الخارجية التي لن يكون في عودتها أمل قبل أن يضمن المستثمرون قاعدة أمنية قوية تضمن لهم حقوقهم..
هناك أمر فيه مبالغة كبيرة وهو ما يسمى بـ "الفلول"، والذي أراه صحيحا هو أن كل مواطن له حق المواطنة.. فالنظام السابق استمر أكثر من ثلاثة عقود ولو اعتبرنا كل من عمل معه من الفلول لأخرجنا معظم الشعب المصري من الدائرة.. الصحيح أن تتم المحاسبة من الآن وفق قانون يخضع له الجميع، ويعزز الرئيس القادم هذا المفهوم حتى يضمن كل مواطن بجانبه يعمل معه على تحقيق أهدافه وتطلعات وآمال كل فرد من الشعب.
خلال العقود الثلاثة الماضية هناك إنجازات تحققت على يد النظام السابق.. ويجب ألا تعمينا عنها نظرتنا السلبية عنها.. تلك هي إنجازات للوطن.. وخيرات الوطن وأعمال أبناء الوطن يجب ألا ننظر إلى الحديث عنها والمحافظة عليها على أنها تمجيد للنظام السابق.. يجب أن نفصل المحافظة على مكتسبات الوطن عن أفراد لهم تجاوزات.. الذين حققوا هذه الإنجازات هم مواطنون مصريون من أبناء الوطن.. وأي مصري هو جزء من الوطن.. وأرى أن تجاوز المنجزين العاملين المخلصين الأمناء الأوفياء حتى وإن كانوا من النظام السابق، أرى أنه اعتداء على الديمقراطية التي يُعمل على تكريسها الآن.. فإن الأفضل أن يؤتى بأفضل الكوادر الوطنية في الوطن كمستشارين ومعاونين، دون النظر إلى ما إذا كان قد عمل أو لم يعمل في النظام السابق ..هناك أيضا إنجازات للنظام السابق المرجو عدم القضاء عليها.. تلك هي جزء من حقوق الوطن.. وهي لكل المواطنين.. والبدء من حيث وصلت تلك الإنجازات والارتكاز على تلك الأسس خير من البداية من الصفر.
المصريون تطلعوا للتغيير وحصلوا عليه.. وجاءت تطلعاتهم وإنجازاتهم نتيجة معاناة كبيرة استمرت لعقود.. تلك المعاناة التي اكتنفتها الحاجة ولفتها الضائقات وأحاطت بها التجاوزات.. جعلتهم يصرون على التغيير وعلى التطلع لأوضاع أفضل ومستقبل أزهى. كانوا يعانون من مشكلات مزمنة أوصلتهم إلى حال لم يستطيعوا تحملها.. هذه مشكلات يتطلع المواطن إلى أن تقوم القيادة القادمة بالتعامل معها وإيجاد حلول لها.. هذه متطلبات المواطن.. وبالمقابل تتطلع القيادة إلى الصبر والأناة، فالإنجازات تحتاج إلى وقت.. منها العاجلة التي تتطلب وقتا أقل، ومنها الكبيرة التي تتطلب وقتاً أطول.
والمأمول من القيادة القادمة التي يضع المواطن ثقته فيها أن تحقق تلك التطلعات والتعامل مع المشكلات وهو تحد كبير ..وأنا أظن وغيري الكثيرون أنه ليس هناك معيار حزبي أو غير حزبي يقاس به رضا المواطن.. والمعيار الحقيقي لقياس رضى المواطن وكسب دعمه هو التعامل مع المشكلات التي سبقت الثورة.. وأظن ويظن معي الكثيرون أنه إذا لم تتحقق طموحات المواطن فلن يشفع للقائد انتماؤه ولا من أي حزب أتى.
تمنياتنا لمصر وشعب بالاستقرار.. ففي استقرارها كسب لأمتنا العربية والإسلامية.. ودعواتنا لمصر وشعب بمستقبل يتحقق فيه الأمن والرخاء والازدهار.