المدن في العالم عبارة عن كتل من الصلصال والحجارة، تتشكل في يد صانعها الفنان. ولقد شهدنا مدناً كثيرة في الشرق والغرب، تشكلت في خيال ثم في أيدي صانعيها من الفنانين، أو من لديهم ذلك الحس الفني بالجمال. وأصبحت ملازمة في اسمها، ومعمارها، وشخصيتها، لصانعها الفنان، ومن تخيّل مستقبلها في يوم من الأيام. والمثال الواضح الذي يبرز أمامنا الآن وبشكل حي، هو مدينة القاهرة التي أرادها الخديوي إسماعيل ( 1830-1895) باريس الثانية، أو فيينا الثانية، في الشرق. وكان هو معماري القاهرة الحديثة. وما زالت بعض معالم القاهرة، وبعد مضي أكثر من قرن من الزمان على حكم الخديوي إسماعيل

(1863 ـ 1879) تنبئنا بذلك. ومن قرأ رواية "عمارة يعقوبيان، 2002" للروائي المصري علاء الأسواني، وشاهد الفيلم 2006، سوف يُدهش لجمال وسط القاهرة، الذي بناه الخديوي إسماعيل، الذي لم يقتصر أثره على هذا فقط، وإنما امتد الى الثقافة. فجعل من القاهرة عاصمة الثقافة العربية. فبنى فيها دار الأوبرا عام 1869، و"دار الكتب" عام 1870، و"دار الآثار المصرية" عام 1863، و"دار العلوم" عام 1972. وفي عهده ظهرت أبرز الصحف والمجلات العلمية والأدبية والفنية. وأسست ابنته الأميرة فاطمة "جامعة القاهرة" عام 1908، كأول جامعة عربية في الشرق.

إذن، فالقاهرة الحديثة كانت قلب وخيال الخديوي إسماعيل. فالمدن تُعرف دائماً بالرجال.

قصة بلدة أصبحت عاصمة للثقافة

في عام 2002 كتب عبدالله نور ـ أحد رموز الحداثة السعودية ـ في جريدة "الجزيرة" يقول:

"الناس في أبها، يصفون مدينتهم بقولهم: "أبها مدينة الفن"، "أبها مدينة الثقافة"، لأنها في كل عام، تحتفل بعدد وفير من المهرجانات الثقافية. وفي وسط أبها قرية "المفتاحة" تلوح للناظر من بعيد، مثل شيخ مهيب، يسكب حنانه براحتيه على (بيوتات) تقف إزاءه، وبين يديه مثل أولاد له. وكلهم يتطلعون إلى الأفق البعيد. كانت "المفتاحة" قرية صغيرة مبنية من الطين، وأوشكت البلدية على إزاحتها، كالعادة في إزاحة كل شيء قديم، ولكن كان حظها في البقاء، أن الأمير خالد الفيصل، حين رآها عارية من كل شيء، خلع عليها عباءته، فازدانت، وسكب عليها من روحه فصارت قرية نموذجية، تضم في أعطافها متاحف للتراث، ومركزاً ثقافيا (مركز الملك فهد) ومسرح "المفتاحة"، وأجنحة ومعارض ومساكن للرسامين والفنانين التشكيليين. وفي قرية "المفتاحة" مسرح يتسع لثلاثة آلاف شخص، ومعرض للكتب، أقيمت فيه عدة دورات لمعرض الكتاب".

وما تمَّ في أبها من تطوير تنموي وجمالي نقرأه بالتفصيل في كتاب "مسافة التنمية وشاهد عيان"، نقل أبها من بلدة صغيرة، إلى مدينة حديثة، لم يكن بتحديث كل الخدمات فيها فقط، ولكن في إيقاظ ثقافتها من سباتها، وتنشيطها، وإلباسها أثواب الحداثة والمعاصرة الثقافية.. كل هذا جعل من أبها عاصمة للثقافة. وجعلها في خيال الحاكم الإداري الفنان جنة الله على أرضه. وهو ما عبَّر عنه الفيصل، بقوله في ديوانه الجامع ("حرف ولون"، ص 312):

ياطيـور أبهـا تغنّي واصدحي

حادي الأشواق موعود الجواب

ردّدي صـوت المحبّـه والوفا

مـع خريرٍ من جداولها العِذاب

الجمال والإنسان بين الفيصل ومالرو

استطاع الفيصل أن يفعل في أبها، ما فعله الأديب الفرنسي اندريه مالرو (1901 ـ 1976) ووزير الثقافة في عهد ديجول (1959 ـ 1969) في باريس. ففي باريس، وبعد الحرب العالمية الثانية، وبعد أن نشر مالرو كتابه (المتحف المتخيّل)، طالب مالرو الفنانين المشاهير بتنفيذ عدة مشاريع فنية وثقافية في باريس، والتي تُعدُّ الآن نقاطا مضيئة في التراث الوطني الفرنسي، بل وتشكّل أهم معالم باريس في الوقت الحاضر. وكان مالرو يهدف من تأسيس "المتحف المتخيّل" أن يُعرِّف الجمهور بالفن العالمي الحديث. وهذا يذكرنا تماماً، بما فعله الأمير خالد الفيصل في "المفتاحة"، التي كانت هي الأخرى متحفاً للفن الحديث، يمارس فيها الفنانون والفنانات إنتاج أعمالهم الفنية بكل حرية وراحة.

وما فعله الفيصل في أبها من جماليات، ينوي فعله في "إمارة منطقة مكة المكرمة". وهو يُصرّح دائماً بأن ينوي، أن يجعل من مكة المكرمة أجمل مدن العالم. كما أنه أحيا من جديد "سوق عكاظ" في الطائف، والذي سيصبح بمثابة "دافوس" الشرق.

كما تذكرنا شخصية مالرو بشخصية الأمير خالد، خاصة عندما يلتقي الاثنان بتعريفهما الموحد للإنسان. فكلاهما يقول:

"الإنسان هو ما يفعله".

كما أدرك الفيصل، أن العقل هو أعلى مراحل الوجود الإنساني، وهو التفسير الكبير للإنسان، كما أنه سبب مأساة الإنسان. ذلك أن الإنسان بعقله هو أشقى الكائنات وأتعسها، وما ذلك إلا لأنه يفكر. وهذا ما قاله أبو العلاء المعرّي:

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله

وأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ



فقال الفيصل في قصيدة ("راعي الفكر"، "حرف ولون"، ص 451)



يا ليتني ما كنت شاعر ورسـامْ

ولا عرفت أكتب ولا أقول كلمه

راعي الفكر يشقَى وترتاح الأنعامْ

ولا يجتمـع حظٍ غبيٍ وحكمـه

الإنسان لا الشيطان يكمن في التفاصيل

لاحظ بعض من واكب سيرة الفيصل الإدارية، أنه يهتم جداً بالتفاصيل، تفاصيل أية خطة، وأية قصة. وجاء اهتمامه بالتفاصيل من خلال تنوّع حياته الشخصية. فقد عاش في الصحراء (الأحساء ونجد). وولد ونشأ في المدينة (مكة المكرمة، والرياض، والطائف، وجدة، ونيوجيرسي، ولندن). ثم استقر في الريف الأخضر (عسير). ومن الملاحظ، أن الذين عاشوا في البادية والريف، هم أكثر الناس دقة في الملاحظة والتفاتاً وعناية بالتفاصيل.

والفيصل، اكتسب الصفة المغناطيسية لجذب جزئيات التفاصيل من خلال ما وفرته له البيئة التي عاش فيها، من تشكيلات، ودرجات مختلفة اللون.

(وللموضوع صلة).