الجميع أصبح لهم أعداء، سواء رغبوا بذلك أم لم يرغبوا، كل يوم يخرجون إلينا بعدو وعلينا أن نهاجم بكل الوسائل التي بيدنا وحتى التي بيد غيرنا، تقسمت البلاد إلى بقع جغرافية يكمن بداخل كل منها عدو يتربص بالأرض التي تجاورها، كيفما توجهنا نجد أننا محاصرون ويجب أن نتحد كي نقف في وجه هذا المد أو ذاك، داخليا كان أم خارجيا! المشكلة أننا كنا جسدا واحدا بجغرافية متنوعة لكنها كانت متحدة على عدو واحد مغتصب وواضح، واليوم نُقسم ونُجزأ، ليس من خلال احتلال أو حتى عصا سحرية، بل من خلال "الخوف"!
لقد فُتح صندوق "باندورا" وخرج كل الشر ليعم ويستشري داخل كل محافلنا، حتى الأفكار التي لم نقترب منها بعد! ولمن لا يعرف قصة هذا الصندوق؛ تقول الأسطورة إنه عندما سرق "بروميثيوس" النار من السماء، كان انتقام "زيوس" من خلال تقديم "باندورا" كعروس إلى "إبيمثيوس" شقيق "بروميثيوس"، وأعطاها صندوقا بتعليمات مشددة على ألا يتم فتحه تحت أي ظرف من الظروف، وبدافع الفضول فتحته، فهرب كل الشر الذي كان بداخل الصندوق وانتشرعلى الأرض، ورغم أنها فزعت وسارعت إلى إغلاقه، لكن الوقت كان قد فات وتسربت جميع محتوياته باستثناء شيء واحد كان مستقرا في القاع، وكان هذا الشيء يدعى "إليبيس" أي روح الأمل، شعرت باندورا بالحزن العميق بسبب ما فعلته، وخشيت مواجهة غضب "زيوس" بما أنها فشلت في أداء واجبها، ولكن زيوس لم يعاقبها، لأنه كان يعلم أن هذا سيحدث، وهنا أستطيع إسقاط هذه القصة علينا، سلمونا الصندوق وهم يعلمون أننا سنفتحه ثم خرجوا إلى المدرج وتركونا على المسرح نتذابح! لم يكلفهم الأمر أي نقطة من دماء أبنائهم، أو حتى قطعة واحدة من نقودهم، جعلونا نصب من زيتنا لنحرق دقيقنا!
بعض العلماء والإعلاميين والسياسيين يُحرّضون على الخوف في المجتمع بين عامة الناس لتحقيق أهدافهم أو أهداف وضعت لهم.. إنها عمليات مدروسة ومجربة لنشر "ثقافة الخوف"، فالناس بفطرتهم لا يريدون سوى الأمن والأمان، من حقا يريد الانشغال بالعداء والتعصب لدرجة المقاطعة، الهجوم.. أو حتى الاقتتال؟! ولكن الأمر يحدث حين يتم غرس ثقافة الخوف من عدو لا يهم إن كان وهميا، المهم أنه يوحد العامة، لأن الخوف يحجب العقل ويكثف العواطف، وبالتالي يجعل الأمر سهلا على تعبئة الجمهور، ومن يعارض من دعاة التعقل والسلم والحكمة يوصم بمعاداة الأخلاق أو المجتمع أو الدين، وحسب طبيعة العدو الذي تم بناؤه يكون الهجوم، وغالبا ما ينجحون في الإبعاد كي تخلو الساحة لهم للتمكن من توليد السلوكيات العدائية، والحث على التجمهر في خانة واحدة أو خانات متعارضة، وباستخدامهم لمخاوف الناس استطاعوا زيادة قوتهم وسيطرتهم على المجتمع، وبهذا أصبح العامة أحجار شطرنج تُحرك حسب إرادة الخاصة، ففي عصر فقدت فيه كل الأفكار العظيمة مصداقيتها جراء عمليات الفبركة والتشويه أو التطبيق الخاطئ، نجد أن الخوف من عدو وهمي هو كل ما تبقى لهم للحفاظ على النفوذ الذي ينشدونه.
لماذا يركزون على "العدو"؟ لأن أحد الأبعاد المحورية في حياة الإنسان هو العدو، ذلك الشيء أو الإنسان أو المفهوم، سمه ما شئت، ولكننا بالنهاية دائما ما نبحث عمن نحمله مسؤولية الأشياء السيئة في الحياة، ولكن بغض النظر عن كون هذا العدو حقيقيا أم وهميا، نجد أنه في غالبية الأحيان نحن من صنعه أو (غالبا) ما صُنع من أجلنا وساهمنا نحن في البناء والتضخيم، إما من خلال التصديق والموافقة، أو من خلال السلبية والانجرار خلف المجاميع، وعليه تظهر معلومة من المهم التأكيد عليها هنا؛ أن العدو إنتاج مشترك وليس عملا فرديا، بل إنه بناء اجتماعي شارك في تشكيله وتحديد صفاته كل واحد منا، لنتابع التصريحات، المقابلات، المحاضرات، المقالات، العناوين في الصحف والمجلات، الحوارات في وسائل الاتصال الاجتماعية، وإن لم تتضح الصورة بعد ذلك، لا أعلم بأي شيء يمكن أن تتضح!
كيف يمكننا مكافحة كل هذا الشر دون أن نتلوث نحن؟ بأن نتكل على الله سبحانه وتعالى، ولنتسلح بما تبقى لنا من داخل الصندوق؛ "روح الأمل"، فلنخرج من الصورة، من الإطار بأكمله وندرس الأحداث، ليس على مستوى جزئي، بل جمعي لنتمكن من رؤية الروابط، وبالتالي قد تتضح لنا الأيادي التي تحرك أحجار الشطرنج. قد لا نستطيع القضاء على كل الهجمات التي تتواتر علينا حسب تواتر الأحداث المحلية والإقليمية والعالمية، ولكن أفضل ما يمكن أن نأمله هو أن نصبح أكثر وعيا للكيفية التي يستخدمنا بها الغير كأدوات، وبذلك نتمكن من استرجاع بعض السيطرة على حياتنا، لنحرمهم من "العدو" الفزاعة التي يستخدمونها لتفرقتنا. ماذا لو أننا توقفنا واحتضنا هذا الآخر، من خلال التقرب والتفهم والحوار؟ ماذا لو أننا طردنا الخوف وقبلنا المواجهة وبدأنا بالاعتراف بأن جزءا كبيرا من هذا "العدو" هو من صنعنا؟ يقول شكسبير في إحدى مسرحياته: "هذا الشيء من الظلام.. أُقر بأنه لي".. وبما أنه لي وأنا من شارك في صنعه، سأواجهه وعلى طريقتي من خلال جذب الأعداء من الكراهية إلى التقبل، فكما تم تجميع هذا العدو اجتماعيا، نستطيع أيضا تفكيكه اجتماعيا، لنحرم كل من يريد أن يشتتنا عن مسارنا الحقيقي، لنجرده من سلاحه ولنتخلص من الخوف.