وقد لا يمكن فهم واستيعاب فكرة مقالي اليوم، دون قراءة المقدمة الأولى، بالأمس.
وللاختصار: أنا أتحدث عن الأسقف الطبقية الصلبة التي جعلت من البنيان الاجتماعي لأنساقنا المختلفة أشبه بعمارة من ثلاثة أدوار ولكل دور سكانه وعالمه الخاص المختلف، مثلما لهم أيضاً مداخلهم الخاصة إلى (حيواتهم) في كل دور بحيث لا يعلم سكان طابق عما يحدث في الأدنى منه أو الأعلى. خذ هذا المثال للتقريب. اشتريت مطلع هذا الصيف سيارة شعرت معها أنها أولى سيارات حياتي التي ستأخذني إلى الطابق الثالث وعوالمه أو في أسوأ الظنون ستنقلني لأعيش مع أهل الشقة الفارهة في طبقتي الاجتماعية الوسيطة. وخذ من الخذلان أنني حين استعرضت بها أمام عيون أحد أصدقاء الحياة الخلص لم يكن جوابه إليّ سوى: لو أنك زدت قليلاً لتكون بالخيار الآخر مع أهل (الستايل) لأنك بهذا الاختيار لازلت في الرف الأعلى مع العامة. عرفت لحظتها أن صاحبي يعيش في الدور الأعلى وبيني وبينه فواصل من الفولاذ الصلب والأسمنت. الكارثة الأخرى أن أولادي (الذكور) كانوا قريبين من قول صاحبي حتى بالجملة وردة الفعل.. حاولت رفعهم إلى قريب من سقفنا الاجتماعي فوضعوا أصابعهم، وربما أقدامهم على السطح الذي يليه ونحن لا نتحمل مثل هذه الخطوة بعد.
والخلاصة في حديث اليوم أن هذه الطبقية المصطنعة، وهذا الوهم الخادع من نمط حياتنا يحتاج بالفعل من الجميع لكسر هذه الأسقف. نحتاج لأسقف من زجاج شفاف حتى يعرف سكان العمارة حياة بعضهم البعض وتأثير هذه الكذبة الكبرى على بعضنا أيضاً على البعض. بعض سكان (البدروم) يدفع دم حياته وكل عرقه بتقسيط سيارة من فئة (الكلاس) كي يكون في الشارع من النخبة بينما هو على دفاتر دكاكين الحارة وحتى حلاقيها حتى نهاية الشهر، بعض سكان الدور العلوي لا يظن أن في البلد عائلة محتاجة وسيسقط من الذهول لو قلت له إن في فصل ابني الصغير بضعة طلاب يذهبون بلا فسحة مدرسية، وفي محاولتي الفاشلة كي أرفع السقف قالت لي زوجتي بكل غضب: صفها مع خمس (قرابع) أمام الباب. هي الواقعية الوحيدة في محيط كاذب. غداً نكمل.