عرض قبل فترة في الصالات الأميركية وفي صالات السينما العالمية فيلم الدراما الكوميديةTHE KIDS ARE ALL RIGHT للمخرجة LISA CHOLODENKO. يعتبر هذا الفيلم من الأفلام التي تناقش حالات خاصة وحديثة يمر بها المجتمع الأميركي وربما كثير من المجتمعات اليوم. اليوم من الممكن طبيا للمرأة أن تحمل بدون أن تقيم علاقة حقيقية مع رجل. من الممكن أن تشتري وبتعليمات طبية الحيوانات المنوية للرجل ويتم تلقيحها طبيا ويحصل الحمل. عمليا وقانونيا لا يعتبر البائع أبا، ولكن ماذا لو علم الأب بعد سنين من العمر أن هذا الشاب وهذه الفتاة، ابنه أو بنته، هل يجرؤ أن يتواصل معهما على أساس أنهما ولداه؟ وماذا سيعني دخوله على العائلة، خصوصا أن هذا العائلة لا يوجد فيها رجل بقدر ما توجد بها سيدتان تقوم إحداهما بدور الرجل والأخرى بدور المرأة وتقومان بتربية ابن وبنت في سن المراهقة؟
قد تبدو هذه المعادلة غريبة جدا على كثير من المتابعين العرب، لكنها ليست غريبة على مجتمعات أخرى. يطرح الفن هنا حالة لا تزال بكرا في التفكير الجماعي. مهمة الفيلم هنا هي محاولة إظهار كل التفاعلات التي تحتملها هذه الحالة وكل الأطرف. لدينا هنا أفراد وعائلة ومجتمع وأفكار جديدة لا تزال في حالة اختبار، ولدى الكثير من الناس الكثير من التساؤلات والملاحظات والتخوفات أيضا. مهمة المخرجة هنا هي أن تعرض صورة كبيرة من خلال حالة واحدة خاصة. لدينا الأبناء الذين يعلمون أن هذا الرجل هو والدهم البيولوجي ولكنه الرجل الغريب عليهم أيضا. من جهته تبدأ تتحرك في هذا الأب مشاعر الأبوة وهو الذي أصبح في منتصف العمر دون أن يحصل على عائلة ويشعر بدفئها الخاص. هو الآن يقترب من هذا الحلم، خصوصا أن هناك انجذابا حقيقيا مع الأم، ولكن دخوله على خط العائلة بشكل عميق يخلق إشكالا، لأن علاقة المرأتين التي تأسست عليها هذه الأسرة ستنتهي بمجرد دخول هذا الرجل عليها...
الفيلم عبارة عن سلسلة من الأحداث تعبر عن هذه الحالة الفريدة والمثيرة للتفكير. من المهم هنا الحديث عن أبطال العمل، الكبيرتين: Annette Bening وJulianne Moore اللتين قدمتا في هذه العمل قدرات هائلة على إضحاك المشاهد، ولكن وضعه داخل الحدث بقدر كبير من المهارة، بجانبهما وقف الرائع Mark Ruffalo الذي استطاع ببساطته ومباشرته تقديم شخصية تستحق المتابعة. إضافة إلى هذا كله تظهر في الفيلم ملامح جمالية كثيرة، فالبيوت جميلة وأغلب المشاهد تصور في نهار مشمس جميل في الغرب الأميركي، كما أن أجواء الحديقة المنزلية ومزرعة الخضار الخاصة أعطت للمشاهد شعورا بجمال المكان وبروح متفائلة بشوشة رافقت شخصيات القصة في اللحظات الجميلة، وهناك أيضا اللحظات العصيبة التي أثبتت أن هذه العائلة التي تبدو غريبة للوهلة الأولى مبنية بلبنات متينة من الحب.
على المستوى الفلسفي والتربوي هذه الحالة تفتح نقاشا طويلا حول ما يعرف بحقوق الوالدين وعلى ماذا تتأسس. أحد الأسئلة الجوهرية هو: هل العلاقة البيولوجية بين الوالدين والأولاد هي ما يؤسس ما يعرف بحق الأبوّة وحق الأمومة؟ هذا أحد العناصر، لكن من جهة أخرى يمكن النقاش أن صالح الطفل هو المعيار الذي ينبغي أن تتأسس عليه هذه الحقوق، وفي حال ارتكاب الوالدين لما يمكن أن يعتبر مساسا حادا بصالح هذا الطفل فإنه من حق المجتمع عبر مؤسساته التدخل لحماية هذا الطفل. آخرون يناقشون أن العلاقة العاطفية التي تتأسس بين الوالدين والطفل ربما من قبل حتى لحظة الحمل هي ما يؤسس لهذه العلاقة. يبدو أن الإجابة الأكثر أمانا هي أن كل هذه العوامل تؤسس الحقوق التي تربط الوالدين بطفلهما.
الأمثلة الحيّة، ومنها الأفلام الواقعية، تساعد على التفكير في القضايا الشائكة، لأنها تجمع كل الظروف المؤثرة في مشهد واحد. هذه الحالات تساعد على تصّور الحالات الخلافية كما يعيشها الناس فعلا وليس كما يقرأ عنها الباحث في الأدبيات ذات العلاقة. في حالة سؤالنا في هذا الفيلم عمن هو الأب فعلا، لا أظن المحاججة من منظور بيولوجي أو حتى قانوني يمكن أن توصل البحث لما يجري فعلا على أرض الواقع. غالبا هذا الأمر يعود لكون السياق الذي تحدث فيه القضايا والتطورات التي تتوالى تاريخيا هو ما يخلق بشكل أو بآخر الصورة الواقعية للحدث. اقتراب الأب البيولوجي من أولاده (بيولوجيا) وتفاعله معهم والأحداث التي وقعت خلال هذا الوقت هو ما أسس لعلاقة حقيقية بين هذا الرجل وهؤلاء الأطفال. المشهد الواقعي أيضا يمكن أن يفتح عين المشاهد لاحتمال وإمكانية وجود أمَّين وأبوين في حالة واحدة. إذا كانت الأمومة والأبوّة تتأسس في عمقها على سياق اجتماعي وعلاقة شخصية تتجاوز الأصل البيولوجي فإنه من المتصوّر جدا وجود طفل مرتبط بعلاقة أمومة مع امرأتين. هذا الأمر نعرفه في سياقنا المحلي مع أم الرضاعة أو الجدة التي يناديها الأحفاد بالأم بدلا من الجدة.
الفيلم في رسالته الأعمق دعوة لإعادة التفكير في طبيعة العلاقات التي ننخرط فيها يوميا كالصداقة والأخوة والأبوة والأمومة...إلخ وأثر التغييرات الاجتماعية والعلمية التي تحيط بها.