فراس عطية
سأقولها بكل صراحة ودون خجل أو مواربة وبأشد العبارات تهذيبا، كتاب المقالات في الصحف المحلية لا يكتبون شيئا. وكي لا أكون عرضة للسب والشتائم وأتهم بالتعميم رغم يقيني ألا أحد سيأبه بي سأضع "بعض" أو "جل" أو "أغلبية" قبل جملتي التقريرية التي استفتحت بها.
وفيما يلي سأدافع عن وجهة نظري المشروخة إذ يكفي أن تفتح صفحة المقالات في أي صحيفة محلية وتطلع على محتواها. ستكتشف أن مواضيعها لا تخرج عن الشكوى على طريقة المجاذيب الذين يرومون الطرقات من أي شيء ومن كل شيء. من الشوارع والوزارات والبلديات والمسؤولين والمواطنين. وقبل أن يعاجلني أحدهم بالقول بأن الصحافة هي السلطة الرابعة ودورها مراقبة أداء المسؤولين والكشف عن مكامن الخلل والتقصير خدمة للوطن والمواطن سأقول نعم ولكن! أمن المعقول أن يتحول كل الكتاب لدينا إلى "عرضحالجية" وندابين على الحال أو مراقبين لأداء الوزارات والبلديات وما إلى ذلك؟ أفهم أن يكون هناك كاتب يتخصص في الشأن المحلي أو الشؤون الخدمية فينتقد أداء هذه الوزارة أو تلك وهو دور مهم ولا يغفل، لكن أن يكتب الكل في هذا الجانب وكأننا في مدرسة إلزامية فهنا يكمن الخلل. سترى بأم عينك مقالات عبارة عن صفحة ردح وشتم وقافية بمفردات تنضح سوقية ولغة عفنة تتصاعد منها رائحة كريهة. ومقالات أخرى لا تخرج عن دائرة الوعظ والنصح تبدأ بـ"يجب" وتنتهي بـ"علينا" وتتخللها "لا بد". اقلب الصفحة وستقرأ مقالا يتفنن في جلد الذات والمقاربة السطحية للمواضيع. ولا تنسى أن تمر على المقال الساخر الذي تزينه صورة الكاتب الهمام أبو ضحكة جنان الذي يزعم أنه يشخص حال المجتمع بأسلوب ساخر قريب من الناس بينما حروفه الركيكة ولغته المرتبكة لا تقول شيئا والمضمون مجموعة من النكات السامجة لا أكثر، هبل وتهريج ما بعده تهريج. وهؤلاء لا علاقة لهم من قريب أو بعيد بفن الكتابة الساخرة الوعر الشديد الصعوبة والذي يحتاج إلى عين ثاقبة، وعقل لماح ينتقي العبارات ويشكلها بمهارة صائغ الجواهر. أما المقال السياسي والذي تسبق اسم كاتبه عبارة "الخبير الاستراتيجي" فهو في حقيقته لا يختلف عن حديث المقاهي و"هروج" الأرصفة.
ولا يفوتني المقام دون ذكر الكاتب الفهلوي الذي يكتب في كل شؤون الدنيا. فمن جائزة نوبل في الآداب إلى الفرق بين الاستاتيكي والديناميكي معرجا على أحدث الأساليب الطبية لعلاج الصرع ولا مانع من أن يضع بصمته على الشأن الاجتماعي ولا ضرر من أن يتحدث عن أداء هذه الوزارة أو تلك أو يتحفنا بتحليله الموضوعي لأسباب اختفاء أغطية حفر الصرف الصحي، وهذا النوع من الكتاب هو الأكثر انتشارا، وهو المرغوب والمطلوب من قبل مسؤولي الصحف والجماهير. لكن من وقت لآخر تهب نسمة منعشة جميلة مختلفة، قبس من ضوء يزيح العتمة في هيئة كاتب لم تلوثه الجماهيرية والشهرة بعد يكتب شيئا جديدا مختلفا. أتلقفه بلهفة وألتهمه وكأنه آخر الزاد وأشعر داخليا بالحسرة لأن مصيره معروف مسبقا فهو إما أن ينجرف وراء الجماهير وتسكره حلاوة الشهرة فيتحول إلى كاتب آخر من إياهم، وإما أن يختفي عموده من صفحات الصحيفة بحجة عدم الإقبال ليفسح الطريق أمام جيوش الكتاب الذين يتمتعون بالدراية بما يريده الجمهور.
حقيقة أشعر بالحزن الشديد من المشهد كله، وتلازمني الخيبة والشعور بالإحباط، والسبب أنني كنت أرغب أن ألتحق بالركب فأكون كاتبا له وزنه في أي صحيفة محلية لكنني فشلت فقررت أن ألقي باللوم على كل شيء، وكل أحد إلا نفسي. فما الفرق بيني وبين هؤلاء؟ هم يرصون الحروف جنبا إلى جنب وأنا أفعل أيضا. لكن هم يملكون زاوية يطلون منها على القراء وأنا على باب الله. أعتقد أن هذا هو السبب الحقيقي لحالة العداء بيني وبينهم. ربما أعمى الحقد بصيرتي وأكل الحسد روحي وأنا أرى فلانا وعلانا يكتبون ولهم زوايا ثابتة فقررت أن أشتمهم وأحقر إنتاجهم، فأشعر داخليا بتفوق وإن كان كاذبا. ربما إن أعطيت الفرصة وأصبحت لي زاوية يومية أسبوعية أو حتى سنوية ستهدئ روحي وأتصالح معهم ومع الدنيا من حولي وغالبا سأنفي كتابتي لهذا الكلام.
في حقيقة الأمر أتمنى من باطن القلب ألا أتحصل على هكذا فرصة والسبب بسيط، فعندها سأنكشف وأتعرى أمام الناس ولن يكون في مقدوري لطم الخدود وشق الجيوب والنواح في بكائية كهذه ألوم فيها الكتاب ورؤساء التحرير والجماهير. سأكون وزاويتي على المحك وسأطالب بتقديم هذا الجديد الفريد الذي زعمت في السطور أعلاه أنه غير موجود إلا عندي. لذا أفضل أن أرسل مقالا من وقت لآخر لأرضي غروري وأثبت للأصدقاء أنني على حق وإلا لما نشرت الصحف كلماتي.