تعج التلفزيونات في رمضان بالبرامج الدينية، وبقصص الأنبياء والصحابة - رضوان الله عليهم -، لكن مع الأسف لا يتم ربطها بالحاضر وما يحدث الآن، لذا قررت أن أقص عليكم بداية قيام الدولة الإسلامية؛ فكما تعلمون جميعاً أن الإسلام عندما نزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - في مكة، كان الصراع قد بلغ أشده بين المسلمين من جهة، والقرشيين من جهة أخرى، ففي بادئ الأمر لم تلق قريش بالاً لمحمد - عليه الصلاة والسلام -، إلا لما شعروا بالتحدي المستمر لهم والتهجم على عقائدهم، شعر المسلمون بأن الخطر أصبح يحدق بهم، مما اضطر النبي - عليه الصلاة والسلام - إلى الهجرة إلى يثرب. على قدر ما كان لفراق مكة أثر نفسي كبير على الرسول وصحبه، إلا أن الهجرة أكدت على تمسكهم بدينهم، لأن قريشا خافت على تكوينها الاجتماعي في مكة، وجعلها تخطط للتخلص من رسول الله - عليه أفضل الصلوات والتسليم -.

وجد المهاجرون أنفسهم مفصولين عن المكان الذي كان يقدم لهم الحماية في مجتمع كان قائماً على العصبية القبلية، إذ كانت الجماعة تستمد قوتها ومكانتها ولحمتها من قوة قبيلتها، ومن هنا بدأت فكرة الجماعة الإسلامية من خلال "المؤاخاة"، الذي قضى أن المهاجرين والأنصار "أمة واحدة دون الناس، وألا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر، ولا ينصر كافرا على مؤمن وأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض دون الناس".

رغم عمل "كتاب المؤاخاة" إلا أن الإسلام آنذاك لم يكن الأداة السياسية، ولم تأخذ ملامح التحول شكلها الملموس إلا بعد وفاة سيد الخلق محمد - عليه الصلاة والسلام -، لكن بالهجرة من مكة إلى المدينة تحولت سياسته الداخلية عليه السلام من مرحلة تبليغ الإسلام والدعوة بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة فقط، إلى مرحلة تأسيس لدولة إسلامية.

اعلم أن جميع ما قلته - أعلاه - معروف للأغلبية، بل محفوظ، لكن هل تأمل أحدنا في قيمة العلاقات الإنسانية؟ هل فكرنا ولو للحظة ما الرسالة التي أراد أن يوصلها للجميع عندما قام عليه الصلاة والسلام بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار كأول خطوة من خطوات تأسيس الدولة؟ هل فكرنا بكمية الآيات التي تحث على كل ما من شأنه تقوية المؤاخاة وتنهي عن كل ما من شأنه أن يضعفها، قال تعالى مؤكداً علاقة الأخوة بالإيمان: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، وذلك دون اعتبار لجنسٍ أو لون أو نسب، فاجتمع وتآخى بذلك سلمان الفارسي وبلال الحبشي وصهيب الرومي مع العرب.

كما وصفها القرآن الكريم بالنعمة في قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103].

ولما كان للعلاقات الإنسانية دور عظيم ومهم في تماسك المجتمع حذر سبحانه من كل عمل يضعف أو يفسد العلاقات بين البشر، فجاء تحريم السخرية صريحا في القرآن الكريم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ} [الحجرات: 11].

وحرم أيضاً التعرض لعيوب الآخرين والتفاخر بالأنساب. قال تعالى: {وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11]. وحرم الغيبة والنميمة وسوء الظن، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 12].

ومن حرص الإسلام على ألا يمس العلاقات الإنسانية ما يفرقها ويعكر صفوها، جعل إصلاح ذات البين في درجة أفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة، حيث قال صلى الله عليه وسلم مُعَظِّمًا ومُرَغِّبًا في ذلك: "أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاَةِ وَالصَّدَقَةِ؟!" قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "إِصْلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ"[6]، كما أباح الإسلام الكذب أيضاً لإصلاح ذات البين فقال صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا").

فأين نحن من هذا؟

كثيراً ما نندب ونتمنى عودة الدولة الإسلامية القوية التي سيطرت على العالم ونشرت الإسلام في أصقاع الأرض، لكننا ننسى أن نبدأ بوضع الأساس، أنا، أنت ونحن.