أريقت الأقلام وسالت الأحبار، وابتلت الصحف، ولم تجف ولن تجف فيما يراه العالم المتقدم والمتحضر من حقوق للمرأة في ظل ما أسموه بالعالم الجديد، فآثرت أن أقف على مسافة واحدة وألا تأخذني حمَّية النوع أو الجنس، فيفقد الرأي مصداقية نحرص عليها جميعا، ولم يكن ذلك في كتابة هذا المقال فحسب، وإنما في كل الدراسات والمشاركات الدولية والمحلية في هذا الصدد، مع أنني لست (فيمينية) الفكر أو النزعة على أية حال، ولكن كل ما يتناول الطرح الفكري العالمي والمحلي علينا تسليط الضوء عليه وتحليله وإبداء الرأي إن أمكننا ذلك. ومن خلال ذلك كله اتضح أن الدعوة إلى العمل بهذه الدعوات والأخذ بها لم تكن سوى نموذج من نماذج اللعب على (القشرة) دون الوصول إلى اللب والجوهر.
وحقيقة، فإن الجدلية بين الجوهر والقشرة في طرح الإشكاليات النقدية أمر أخذ مأخذه لدى النقاد والمفسرين، بداية بابن رشد والفارابي، وانتهاء بلويسيان جولدمان وما أسماه بنظرية " المكوك"، حيث الطواف بين هذين الحدين إن شئنا أن نتخذ حتمية موضوعية ونقدية لمشكلاتنا الاجتماعية.
ومن هنا وجب التأمل في طيف هذا الفكر الذي بدأ في بدايات القرن التاسع عشر في أوروبا بتلك النظريات التحررية للمرأة، ودعوى الإنصاف لها مما كان يعتريها من ظلم وقهر وعبودية في ذلك الوقت الذي كانت فيه المرأة العربية أسعد حالا منها. ثم امتدت هذه الدعوات إلى انتهت بالجندر وما فيه من غلو وتطرف في تلك الحقوق التي قد تبدو في ظاهرها منصفة.
ولعنا ندقق النظر قليلا في تطور هذه الدعوات، ثم ندقق النظر أيضا في خصوصية المرأة العربية، وذلك لأن للمرأة العربية هوية خاصة تميزها عن غيرها. هذه الخصوصية هي التي تمنحها الهوية، لكن الفكر العالمي الحديث لا يحبذ هذا النوع من الخصوصيات؛ كما أن الفكر العالمي الحديث لا يؤمن بالقوميات أو الهوية، لأنه يدعو إلى الذوبان داخل بوتقة واحدة تسمى القطب الواحد، وهو لب العولمة.
فماذا قال مارتن إنديك في محاضرة له في بروكنغر، وهو مدير برنامج السياسة الخارجية في معهد بروكنغر، والذي هو جزء من مركز الولايات المتحدة وأوروبا، ومعه فريق عمل التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الفرنسية، ومعه أوليفر روي الباحث الفرنسي الكبير حول الإسلام السياسي في الشرق الأوسط؟ لقد قال روي عن الجيل الجديد من الشباب العربي، والذي يتمنى أن يكونوا عليه بأنهم "جنس من نوع أفضل في أوساطهم بما يتعلق بالتعليم، وسن الزواج، على سبيل المثال. إنهم أقل ارتباطاً بالعائلات الكبيرة، بالعائلات الممتدة. لديهم عدد أقل من الأطفال عندما ينجبون. إنهم أكثر اتصالاً، وأكثر عالمية وشمولية. غالباً ما يفهمون أو يتحدثون لغات أجنبية. إنهم على اطلاع. وهم لا يتبعون المجتمع الأبوي التقليدي، والثقافة الأبوية بالضبط، لأن البنى الأبوية، على وجه التحديد هي الآن في حالة هبوط، لم تعد تعمل. إنهم أكثر تعلماً من آبائهم. إنهم أفضل من آبائهم... إن هناك انهياراَ للثقافة العربية التقليدية – حسناً، كلمة تقليدي كلمة كبيرة – لكنه انهيار للثقافة العربية التقليدية المبنية على الشخصية الكاريزمية أو المبنية على الابن، كما تعلمون. فعادة ما يكون الأبناء أقل كاريزمية من آبائهم.. هم لا يؤمنون بالمؤامرة الغربية لتقويض القومية العربية.. هم لا يلتصقون بالإيديولجيات التقليدية، سواء أكانت العربية، أم القومية، أم الإسلامية. إنهم أكثر تفرداً بكثير. وبالتالي، إنهم يدعون للكرامة وليس للشرف. أنتم تعلمون، الشرف إشارة جماعية مشتركة، لكن الكرامة حق فردي.. إذن هم شعب المستقبل. وأفكارهم تتخلل المجتمع كله الآن".
هذه هي صورة شباب المستقبل - وموقفهم من الشرف ومن الثقافة العربية ومن الإيديولوجيات العربية والإسلامية ومن القومية ومن الارتباط بالعائلات والنسب - كما يراها المحللون الغربيون وكما لا نراها نحن إلا شذرات، وبالتالي فلا تنفصم عنها عرى تلك الدعوات الجندرية حول المرأة وما لها وما عليها.
وحقيقة الأمر أن المرأة العربية لا تزال تحتاج إلى كثير من النظر فيما حباها الله به من كرامة وعزة وتحقيق وجود وإثبات ذات في مجتمع ذي نزعة "رجولية" تستنكر عليها الكثير من التألق والعطاء، وهذه ثغرة كبرى اتخذها الغرب ذريعة للدخول إلى كنه الهوية ذات الخصوصية للتلاعب بتلك الحقوق والواجبات، وكان لزاما علينا نحن أن نوثق تلك العطاءات الربانية التي منحها الله للمرأة بدلا من أن يملي علينا منظرون آخرون حقوقا قد تحل بهوية المرأة العربية كما في مؤتمر بكين ومؤتمر اليونيفيم بالقاهرة وغير ذلك من التأصيل لما يجب أن يكون.
إن حقوق المرأة العربية ليست منحة ولا منة ولا نظرية تمنح لها من وراء الحدود، وإنما هي منة من الله سطرها الدين الإسلامي في كتابه الكريم، وعلينا كمجتمعات عربية إسلامية أن نبرز هذه الخصوصية، والتي لا تكاد المرأة العربية تحصل عليها في ضوء قراءات عديدة لهذا الدين! بينما كرم الله المرأة في جميع مناشط الحياة حتى تكون جنبا إلى جنب في العطاء الإنساني وليست أقل من ذلك!
ومن هنا توصلنا إلى حقيقة هامة وهي عظمة التحقق وتحقيق الذات لدى المرأة، حينما يفسح لها المجال، فالتحقق هو كنه الحس بالوجود، وغير ذلك هو العيش على هامش الوجود، وهذا إحساس بالموت "الإكلينيكي"، إن جاز التعبير، وبالتالي تموت المجتمعات "إكلينيكيا"، فهي نصف المجتمع، والنصف الآخر هو ما تصنعه وبالتالي موجة من الإغماء المجتمعي، إن جاز التعبير. وهذا لا يعني الانسياق إلى ما اتخذته تلك الدعوات من غزو ثقافي استبان فيما بين الأقواس بقدر ما هو أن نستنبت منا، من هويتنا، مما فينا من خير تلك القيم التي تنهض بحقوق المرأة المهضوم حقها في عالمنا والتي اتخذها غيرنا لنا عثرات.