بعد يوم من الجدل والملاسنة التي دارت على هامش معرض الكتاب بين الكاتب زياد السالم والروائي عبده خال، تواصل الجدل من القاعة حتى ساحة مقر نادي القصيم الأدبي، حول مشروعية انتساب المفكر الراحل عبدالله القصيمي، والروائي الراحل عبدالرحمن منيف، والدكتور تركي الحمد لمنطقة القصيم "فكرياً وثقافياً" حيث تنازع صوتان خلال الجلسة صحة تلك النسبة من عدمها، باعتبارهم انتسبوا للمنطقة عائلياً ولم ينتسبوا لها ثقافياً.

ففي جلسة فكرية نظمتها "جماعة فكر" التابعة لنادي القصيم الأدبي مساء أول أمس ببريدة، استهل مدير دار النفائس والمخطوطات ببريدة الباحث عبدالملك البريدي أولى جلسات مشروع "جماعة فكر" الراصد للحياة الثقافية والفكرية بمنطقة القصيم، بالحديث عن الحراك الفكري والثقافي ببريدة خلال القرن الرابع عشر الهجري، وتناول المكونات الرئيسة التي خلقت التوليفة المتباينة من المناهج والمدارس الفكرية ببريدة.

وبدأ البريدي جلسته باستباق احترازي، يزيل عن أطروحته النقد والتجريم التاريخي المتوقع، بأن أكد على أنه لا يبحث من الحضور والمتلقين عن تساؤلات ومناكفات، بقدر أنه يسعى لأن تكون كل الجلسات تصب في خانة الإثراء والاستزادة، باعتبار المشروع مشروعاً تتبعياً راصداً، يقوم على البحث والتنقيب والتواتر المؤصل.

وتناول البريدي الرؤية النمطية التي تلتصق بالمشهد الثقافي القصيمي، وتحديداً مجتمع بريدة، وما يوصف به بأنه مجتمع ثقافي متناقض، بأن أشار إلى أن عواصف التغيير قد اجتاحت "رمال الخبوب وكثبانها" وجعلت من بريدة ساحة فكرية ثرية وجدلية، تتصف بالحدية أكثر من كونها تعيش تناقضاً ورفضاً.

وأشار إلى أن من أبرز مكونات الساحة الثقافية لبريدة ما كان يعم وسط الجزيرة " نجد" من النزاعات السياسية في تلك الحقبة، التي كانت ترسم النهج الحاد للمواقف والمصالح، وأثر ذلك على محيط الثقافة والفكر، وهو ما خلق نوعاً من الأصولية الفكرية الحادة.

وأكد البريدي في حديثه على أنه يمر من خلال طرحه، على مواقف واستشهادات عابرة تأتي كالعناوين، تتيح للباحث أن يؤصل ويؤرخ للمسيرة الثقافية والفكرية ببريدة، مستشهداً بالنقلات الفكرية النوعية التي عصفت ببريدة، كمكتبة النهضة عام 1371، وحادثة المقهى، وحركة المد القومي واليساري في المنطقة، وغيرها من الموجات الثقافية الوافدة على مجتمع بريدة.

وألمح إلى أن كثيرا من الشخصيات الفكرية والثقافية التي تعرف بها منطقة القصيم قد تكون من إفرازات تلك التوليفة التاريخية والثقافية، ونتاجا لحالة المخاض التي تشكلت بفعل العوامل السياسية الداخلية، والثقافية الخارجية، وهو ما دعا أحد الحضور لأن يتداخل ويعيب على البريدي أنه لم يسم بعض تلك الشخصيات، مستشهداً بإغفال البريدي لاسم القصيمي، ومنيف، وتركي الحمد.

ما حدا بأحد الحضور لأن يخترق "بروتوكول" اختتام الجلسة، وقطع صوت اللاقط، ليتحدث شفاهة عقب انتهاء الجلسة معلنا أن منطقة القصيم وبريدة تتبرأ من تلك الشخصيات، كونها لم تستق ثقافتها ولا فكرها من القصيم ومجتمعه، بغض النظر عن أصولها وامتداداتها العائلية.

وأكد محمد بن صالح السليم في حديثه عقب اختتام الجلسة أن القصيم تتبرأ من مثل تلك الشخصيات، لأنها تكونت فكرياً وثقافياً في مجتمعات خارجية كالأردن والعراق والشام، ولم تكن تلك الشخصيات مستوطنة للمنطقة أو حتى زائرة لها، ليستمر الجدل حول تلك النقطة خارج القاعة بين السليم وأحد الحضور، الذي رفض إقصاء تلك الشخصيات، ونزع مرجعها الجغرافي "القصيم" عن تشكيل ثقافتها أو حتى التأثير فيه، ليؤكد رئيس جماعة فكر عضو مجلس إدارة نادي القصيم الأدبي الدكتور إبراهيم الدغيري أن النادي يرحب بجميع الآراء، وهو مظلة للجميع، ولكل الأفكار والتوجهات التي تخدم الساحة الثقافية، وتعزز من القيمة الوطنية.