رمضان فرصة كبيرة للعودة للفنون العربية، خصوصا التلفزيونية منها، حتى لأولئك المغتربين الحالمين بأجواء رمضانية ولو عن بعد. مع بعض الاستثناءات البسيطة خصوصا للدراما السورية فإن الصورة بشكل عام محبطة. المسلسلات الخليجية بشكل عام تعاني من ضعف في الاحترافية، وشيوع في الارتجال، وغلبة حضور نجوم الكوميديا الفردية على المعايير الفنية الاحترافية. مثلا على مستوى النص من الواضح مثلا ارتجال النجوم للحوارات وصياغتها بشكل آني، مما يجعلهم يظهرون بشكل مربك للمشاهد. هذه الملاحظة واضحة مثلا في مسلسل أبو الملايين لعبدالرضا والقصبي.

الفنون العربية مقارنة بالفنون العالمية تعتبر متواضعة المستوى على كافة المستويات. المستوى الفني العام، والمستوى التقني، والمستوى التجاري. ويمكن القول أيضا إنها تعاني أزمة وعي أساسا. هذا الحكم شبه متفق عليه عند الفنانين ونقاد الدراما، إلا أن السينما والدراما التلفزيونية تبقى أحسن حالا من بقية مجالات الفنون الأخرى كالمسرح والرقص والفنون التشكيلية، باستثناء الشعر الشعبي مؤخرا.

المسلسلات والأفلام والبرامج التلفزيونية تتصدر أرقام الإنتاج العربية، ولكن الأعمال عالية الجودة يبدو أنها لا تأتي إلا بعمليات متعسرة جدا، فلا تستطيع أن تعدّ في السنة أكثر من أصابع يدك الواحدة للأعمال الجيدة التي تستحق المتابعة. بالتأكيد أن أزمة الدراما العربية هي جزء من أزمة الفن العربي بعامة، أو أزمة الفن في الثقافة العربية، وهي الأزمة التي تكمن في رأيي في أن الفن لم يأخذ حق الاعتراف لكونه عملا مهما وأساسيا حتى الآن. لا يزال الفن هو ذلك التي تشكل في قصور الخلفاء والأمراء للمتعة والتسلية.. الفن الذي من الأفضل إخفاؤه والتبرؤ منه في أوقات الجدّ الرسمية. إنه الفن الذي تطارده الفتاوى من كل جهة، وتلاحقه خطب وأشرطة الوعّاظ في كل مكان.

إن المفكّر فنيا يحسب ألف حساب لما يمكن أن ينتج من ردّة فعل عن أدائه الفني. الفنان العربي يقع تحت مطرقات عدة، الأصوليات التي تريد القضاء عليه، وتشكّل الرأي العام ضده، والحكومات التي تراقبه باستمرار ولا تحميه من الأصوليين إلا بمقابل.. كما يقع الفنان العربي ضحية تاجر الفن، المنتج الذي غالبا ما يدخل المجال دون وعي فني يساعده في تصور إنتاج فني عالي المستوى وطويل الأجل. وسط هؤلاء كلهم يقبع الفنان العربي، وإذا أراد أن يستمر فعليه أن يمشي وسط حقل الألغام هذا دون أن يطأ أحد الألغام المدمرة.

لا يمكن أن يتطور الفن في ثقافة ما دون أن يدعمه وعي قوي وأساسي ينظر للفن باعتباره شكلا راقيا من أشكال التعبير الإنسانية.. فنّ يعبّر عن الحق والعدالة والمواقف، كما هو تعبير عن الفرح والأسى، فنّ تعتبر موهبته كنزا من الكنوز الثمينة.. تجعل من صاحبه في مصاف أهم الشخصيات والفعاليات. إذا تمكنت هذه القيم من نفوس الفنانين أولا واستطاعوا تقديمها للمشاهدين فهذه هي نقطة الانطلاق الأساسية التي لا تزال تتأرجح، بل إنها تتناقص مع الوقت، باعتبار أن جيل الفنانين الأوائل في القرن الماضي كان أكثر وعيا بقيمتهم الفنية، وأكثر إحساسا بنخبويتهم الفنية. اليوم هناك الكثير من الفنانين الذين يجذبهم الفن لمكاسبه الفنية وتحقيقه الشهرة، ولكنهم لا يزالون يحملون في دواخلهم ذلك الوعي الذي يحتقر الفن ويقلل من قيمته، مما يجعلهم يسقطون باستمرار ضحايا لعمليات استغلال الفن من منتجين تجاريين سطحيين وغيرهم. لن أتحدث هنا عن الأكاديميات الفنية والأقسام الجامعية للفنون وغيرها من القضايا، فقد كفانا ذلك ما ذكرنا أعلاه.

من الصعب جدا على الفنان الذي تربى منذ الصغر على دونية الفن وارتباطه بالتهريج والترفيه لا أكثر، ولم يحصل على فرصة لدراسة الفن بشكل علمي أن يقاوم حالة التردي العامة في السوق الفنية. هذه الصعوبة لا تعني استحالة الأمر على الجميع. بالتأكيد لا، فنحن نرى اليوم أعمالا فنية عربية بمستويات راقية، ولكن من المهم التأكيد على أن الفن بشكل عام لا ينمو كحالة اجتماعية عريضة إلا داخل شروط معقدة، أولها حرية العاملين فيه للتعبير عن أنفسهم بالقدر الذي يجعل من حضورهم حضورا حقيقيا واعيا، يعكس تقديرا ذاتيا وعاما للفن والعاملين فيه. هذا التقدير هو الذي يؤسس شعور الفنان بمسؤوليته تجاه نفسه والمجتمع والوسط الفني المحيط به. هذه المسؤولية هي التي ستؤثر على النجم حين يختار بين أمرين: أولا: أن يقوم بتصوير العمل قبل رمضان بشهر وبشكل سريع ومرتجل وبدون كثير عناء وبمردود مالي مجز. ثانيا: أن يعمل على هذا المسلسل لمدة سنة كاملة وكأنه موظف رسمي بشكل يومي داخل شروط احترافية متعارف عليها. الخيار الأول يبدو للكثير هو الأكثر عملية في سوق لا تقدّر كثيرا العمل الجيد من العمل الرديء، ومن جمهور لا يعبّر عن وجهة نظره في الأعمال بشكل واضح، وفي الأخير المنتج مستعد للدفع في كل الأحوال. المعايير الفنية ضعيفة التأثير هنا، والوسط الفني يفتقد التقاليد المتعاقبة التي تجعل من تأثيره على الفنانين مؤثرا وعمليا. يبدو أن ملاحظاتي هنا تنطبق بشكل أدق على الحالة السعودية، ولكنها في خطوطها العريضة تلامس الحالة العربية بشكل أوسع.