تحتفظ القرى والنواحي بالكثير من تاريخها عبر عدة فعاليات أو أنشطة، تستذكر بها ماضيها، وتحاول مد جسور الوصل معها بشكل يكفل ديمومة تلك الفعاليات أو المظاهر أيا كانت. وفي القرية العليا أو "قرية" - كما يسميها أهلها - نجد من تلك المظاهر، فعالية ما زالت تحافظ على حضورها بين سكان المنطقة، وهي "سوق الجمعة" الذي لم تستطع السنون وبعدها العقود أن تنال من حظوته لدى السكان المحليين، فكان أن بقي السوق كما هو، لا يتغير به إلا الأشخاص مع طول السنين. وكشأن بقية الأسواق، يعج السوق بالباعة التقلديين المتذمرين، والزبائن المستائين، إلا أن السوق يبقى لديه الكثير من الخصوصية التي تميزه عن أقرانه، مع كثرة أسواق الجمعة في مدن مختلفة.
يقع سوق الجمعة في محافظة القرية العليا بالقرب من جامع الدخل المحدود، حيث اشتق منه اسمه، عند إنشائه قبل 3 عقود، بعد أن كان الباعة يضعون بضائعهم بالقرب منه بعد صلاة الجمعة، قبل أن يتطور ليصبح سوقا معتمدا يقام كل يوم جمعة. وسيحتار المتسوق في تصنيف السوق، لتنوع بضائعه، فمن الملابس، إلى معدات التخييم، إلى أدوات الطبخ، إلى المنتجات الغذائية. وتمثل النساء غالبية مرتادي السوق، خاصة أن معظم الباعة من النساء، دون إغفال تكالب العمالة الوافدة على الاستئثار بكعكة السوق.
بين الزحام، وجدنا غايتنا في شاب سعودي نثر بضاعته، مستندا على مركبته نصف النقل، كان يبيع الزيوت العطرية، وعطورا مختلفة، حيث يعمل عطارا. اقتربنا منه، وعلمنا أن اسمه ناصر العنزي، رد بلطف على أسئلتنا على كثرتها، حيث قال: أعمل عطارا بشكل رسمي، وأمتلك ترخيصا لمزاولة المهنة، إضافة إلى سجل تجاري، العمل يسير بوتيرة مقبولة، ولا نعاني سوى من هجمة العمالة على السوق، إنهم يعملون في كل شيء، ومنافستهم لا تكون شريفة، لاستخدامهم طرقا ملتوية، حيث يستغلون جهل الناس ببضائعهم المغشوشة، وهذا أمر خطير، لأنهم يتعاملون بالأعشاب التي لا يعرف مصدرها، والحل معهم هو تكليف دوريات من الجهات المختصة لمراقبتهم والتصدي لحيلهم.
أما أم سعد، فكانت أكثر النسوة في السوق جرأة، واختصرت حالها هي وأقرانها بالقول: نعمل منذ سنوات، وهو رزق لنا، يمنع عنا الفاقة، أما حاجتنا فتتمثل في تخصيص أماكن ملائمة لنا، بدلا من جلوسنا على قارعة الطريق، في النهاية نحن نساء ونحتاج للدعم.
من جهته، يؤكد عضو المجلس البلدي فلاح أبو شوشة أن المجلس طرح فكرة تخصيص موقع مناسب لسوق الجمعة، ولم يتبق الآن سوى اختيار الموقع، الذي يجب أن تراعى فيه الشروط الصحية والأمنية. وأضاف أبو شوشة لـ"الوطن": سيكون الموقع الجديد فرصة لتنظيم السوق ومنع العمالة السائبة من العمل به، والتركيز على المواطنين للعمل في السوق، وجعله علامة فارقة في المحافظة، خاصة أنها مفترق طرق، ويمر بها الكثير من المسافرين، وربما يحول السوق إلى دائم بدلا من تقييده بيوم الجمعة فقط.
أما عضو المجلس المحلي عبدالله الشبعان، فيعتبر سوق الجمعة مهما من الناحية الاقتصادية لذوي الدخل المحدود، على خلفية رخص البضاعة المعروضة. ويضيف: من المهم أن يستمر السوق شريطة وضع ضوابط يتم العناية بها، وتوفير بيئة عمل مناسبة للباعة، مع اختيار موقع مميز ليخدم المسافرين المارين بالمحافظة، الأمر الذي سيوفر مزيدا من الدخل للسوق.