كيف سيبدو وجه أمي حين نلقي عليها تراتيل الأحزان؟ حينما نقول لها بعيد الإفطار إن (الشقيقة) الصغرى إلى رحمة الله وعفوه وفضله؟ حينما نختصر كل عبارات التمهيد في جملة نهائية صارخة؟ أنا أكتب اليوم قصة هذا (الإنسان) مع اقتراب الرحيل. قصته الأسطورية الموغلة في بواعث المأساة حين يكون (الحي) الأكبر على مشارف التسعين، ثم تقول له هذه التراتيل إن ملك الموت قد زار آخر الأخوات، بينما هي الكبرى التي مازالت تقاوم هذه النهاية الحتمية. قصة (المرأة) التي عاشت حتى نهاية الأخت الثالثة، ومازالت الرابعة (الأولى): وفي نفسها قد اقتربت نهاية هذا الطابور.

(يا ولدي تعبت). كم هي مئات المرات التي سمعتها منها، وكم أتعبتني هذه الجملة. على وجه أمي، مرت من السنين تسعة عقود بكل ما فيها من تباريح الخوف والحزن واليتم والجوع. وعلى (أديم) وجهها سالت من قبل كل شعاب الدموع: ابتدأت بها الحياة طفولة حائرة وضائعة بلا أهداف وتكاد تقترب منها ومن نهاياتها المؤلمة وهي تشحذ دمعة أخيرة في الفراق الأخير لآخر أخوات من (كان). (يا ولدي حتى الدموع لم تعد تنزل لتطفئ الجمرة الملتهبة في الجوف)، وحينما يكبر المرء تجففه لوعة الحياة وطولها من كل شيء: حتى من الدمعة التي يحتاجها في لحظة مؤلمة فاصلة. كانت أمي مع أخواتها الثلاث مرآة من الحب الأصيل الجارف، لكن هذه (الزجاجة) تكسرت منذ ألف زمن على صخرة البعد والفراق والغربة. كنت طفلاً صغيراً وأنا ألمح وجه أمي ينظر للمقبرة في الجانب الغربي من قريتنا الموحشة: ومن فوق سطح منزلنا كانت تشاهد أيادي الرجال ينزلون أختها الشابة للقبر في موت مفاجئ يأخذ كل الحياة بالدهشة. كنت مراهقاً عندما ماتت أختها الأخرى ومرة أخرى: بالفجأة وكل الدهشة، على بعد ألف كيل من الغربة. كنت مساء البارحة من ألقى على أمي تراتيل الحزن الأخير حين قررت أن أقول لها الجملة النهائية مباشرة بلا حتى جملة تمهيد واحدة: لأنني أعرف أن أمي غابة هائلة من الحزن، ونهر جاف من الدموع، وتراتيل طويلة من هذه الجمل التي استمعت لها في حياتها ألف مرة.. والدتي (أمة) كاملة من الحزن.