لا أدري ماذا يسمي الإخوة في المناطق والدول الأخرى المجاورة عادة (البَوْق)، في شهر رمضان.. كما نحن نسميها في قرية القارة بالأحساء. البَوْق.. هو قيام الشخص الذي يصوم لأول مرة (ولدا كان أم فتاة) بتناول (الأكل) في وقت معين من النهار بعيدا عن الأعين، ثم يظهر بعد ذلك بين الأهل أنه صام اليوم كله.
وكلمة (البَوق) معناها السرقة، أي أن هذا الصائم الصغير أو تلك الفتاة.. يقوم (بسرقة) الأكل أثناء الصوم، باعتبار أنه لم يتعود على الصيام لنهار كامل، أو أنه (سرق) من صيامه بتناوله الأكل، وتتم عملية (البوق) في ظروف مختلفة، فأحيانا يجلس الصائم الصغير بجانب أمه أو أخته أو خالته وهي تقوم بتجهيز وطبخ بعض الأكلات الرمضانية التي تتطلب العمل بها ظهرا أو مبكرا، فيغافل أمه، ويأخذ مما طبخته و(بحجم صغير) حتى لا يفتضح أمره، وأحيانا يحاول معرفة مكان الأكل الجاهز في المطبخ فيغافل من فيه ويقوم (بالبوق) وغير ذلك. ولعل الكثير في مناطق المملكة ودول الخليج والدول الإسلامية عاشوا هذه الظاهرة بأسماء وأشكال وظروف وطرق مختلفة ومتعددة، بل ربما لا تزال حتى الآن.
شخصيا؛ قمت "بـ"البوق" في السنة الأولى فقط من بدء صيامي حينما كنت في السنة الثانية عشرة من عمري، وكانت أمور البوق (ماشية معاي طول الشهر).. لكن في اليوم السابع والعشرين منه.. اكتشفتني أختي (بالجرم المشهود)، الذي لا مَفَرّ من الاعتراف به، فحرمني والدي حينها من (العيدية).. والله (يسامحش) يا أختي.
"مسجد الوَكْرة" الذي كان والدي – يرحمه الله – يأخذني إليه بعد العصر لنمكث فيه مع رجال ذلك الزمن الجميل الطيبين.. نقرأ القرآن الكريم.. بصوت مسموع ومرتل مع عدد من الصبيان الذين جاؤوا ليتعلموا تلاوة الكتاب المجيد في الشهر المجيد، ثم نقرأ شيئا من الأدعية والابتهالات المأثورة الخاصة بالشهر الكريم، حتى أذان المغرب، وحينها نتناول شيئا من التمر أو الرطب، واللقيمات والماء واللبن مما قد أحضرناه من منزلنا أو قام بجلبه أحد المؤمنين الحاضرين أو أحد جيران المسجد.
هذا السلوك الجميل التلقائي الذي تعامل الناس به خلال شهر رمضان المبارك، والذي هو خاص واستثنائي لهذا الشهر الكريم.. يبرهن (بما لا يقبل مجالا للشك) – كما يقولون - أن الإنسان المسلم المؤمن.. الذي يفهم العبادة المحضة الخالصة لله تعالى جوهرا وفهما.. لا شكلا وطقسا.. هو الذي يجعل من حوله، وما حوله مؤمنا، كما هو، نفسه.
أبرز ما يميز (عصريات) شهر رمضان إلى جانب ما ذكر آنفا.. هو رائحة (خبز المسح).. وخبز المسح.. هو (خبز الرقاق) أو خبز "التاوة" ورائحة (اللقيمات).. ورائحة (الهريس).. حيث كانت البيوت متلاصقة ومتداخلة.. والحارات ضيقة وصغيرة مما يساعد على انتشار عدد من روائح الأكلات والطبخات الأخرى.
وكان في معظم مدن وقرى الأحساء.. وكسائر المدن والقرى الداخلية الأخرى في المملكة ودول الخليج حتى أواخر السبعينيات الميلادية المنصرمة/ الدهاليز أو (سوابيط.. جمع: ساباط) (وفي القارة نقول الدهريز ـ بالراء المهملة النقطة)، وهو الطريق المسقوف (يطول أو يقصر) (يتسع أو يضيق) بين المنازل المتداخلة والطرق المتصلة ببعضها ليمر منه الناس ويتخذه الآخرون استراحة لهم، وتنشط هذه (السوابيط) – أكثر ما تنشط خلال شهر رمضان المبارك.. في اجتماع الناس واستعراض ما لديهم من مواد للبيع والتسلية البريئة.
وهنا والحديث يمر على البيوت المتداخلة.. فلعل الجيل الجديد لم يلحق على هذه الصورة الاجتماعية الناطقة بالتلاحم الرائع، والإيثار الحقيقي وهي أنك تجد سطح إحدى غرف البيت في منزل الجار، والغرفة نفسها في البيت الآخر وكذلك قيام أحد الأشخاص بالتبرع بجزء من مساحة منزله لتكون طريقا للمارة وتتحول إلى (صكة/ ساباط) مسقوفة، وسطحها في أحد منازل الحارة!
في رمضان كنا نشتري البليلة "ونسميها: اللبلبي" مع الفول الكبير "الباقلا)" وأحيانا الكبدة.
وكان هناك تنافس محموم في تقديم الأفضل في هذه الأكلات الشعبية، وكنا ننتقل من "فريج" إلى "فريج" للبحث عن الشخص الذي يقدم الأفضل، حتى لو كان سعره مرتفعا، وكنت أحصل على (تخفيض) خاص منهم باعتبار أن والدي هو أحد معلمي القرآن الكريم في القرية، فأنا (ولد المطوع)!
وهناك ما نسميه (قِرْص البيض) وهو خبز الرقائق المعمول في البيت وقبل أن يؤخذ من فوق صفحة الصاج الحديدية التي يتم خَبْزُهُ عليها.. يتم وضع بيضة واحدة على الخبز ثم يعقبها قليل من السكر، فيخرج لنا خبز بالبيض والسكر في غاية الروعة واللذة وهذه يتم توزيعها على الإفطار / ويتم عمل الكثير منه (ليلة العيد) لتكون لإفطار يوم العيد.. وفي السنة الوحيدة التي قمت فيها (بالبوق) كنت كثيرا ما أبوق خبز البيض أو (قرص البيض)!، وما زلت أحبه حتى الآن ولم أتوقف عنه حتى بعد شهر رمضان .. لكن (البوق) توقف منذ ذلك العام!
ومن المعروف أن صناعة خبز المسح بشكل عام في شهر رمضان هي من أبرز الأشياء التي تجعلك تشعر أنك في شهر الصوم حيث رائحته المميزة كما قلنا.. ولعل أبرز ما يميز هذه الصناعة هو التفاف الأطفال على (التاوة) وتهافتهم على (قرص البيض) المذكور آنفا وأكله حارا.. على أن هذا الخبز الخاص المذكور.. هو إحدى مواد مائدة الإفطار أيضا.
أما (الكبة الحساوية) التي ذكرتها في أول المقال فإنني أتحدى الآن ـ بالنسبة لنا كأحسائيين ـ وبكامل قواي العقلية وبعد أن أدركنا كل الأنواع القادمة من أصناف (الكبة) الأخرى.. أن تجاري أو تصف بجانب (الكبة الحساوية) المكونة في الأساس من الأرز (الحساوي) الأحمر.. الخاص جدا الذي يمتاز بقوته وثقله وتوفر المواد الكربوهيدراتية العالية فيه، وبخاصة الحديد، والذي لا يتوفر في السوق حتى يومنا هذا بتلك الكثرة التي يتوفر بها سواه من أنواع الأرز الأخرى كما أنها – أي الكبة الحساوية – تتكون إلى جانب (العيش الحساوي) من الربيان والبيض واللحم الصافي والنخاع الصافي جدا المعالج بطريقة شعبية نظيفة.
آمل أن لا يسيل لعاب القارئ، أو يتمنى الآن أن يأكل (الكبة الحساوية).. على العموم، بالهناء، والشفاء. سأتناول (القرقيعان) هنا كظاهرة اجتماعية خليجية بحتة.. جاءت ضمن سلوك اجتماعي عفوي/ خاص للأطفال.. وما كلمات الأهازيج والأناشيد الخاصة التي يرددها الأطفال في ليلة ويوم الكركيعان – على اختلاف بعضها – بين دول الخليج إلا برهان على ذلك فهي عبارة عن جملة من الأمنيات والدعوات والابتهالات.