بتاريخ 27/8/1431 كتبت مقالا هنا بعنوان (المفطِّرات بين الحسم والتأجيل)، تطرقت فيه إلى ما يكثر السؤال عنه في رمضان من (المفطرات في مجال التداوي)، وبعد ذلك بعامين، وتحديدًا في 3/9/1433 كتبت مقالا آخر بعنوان (المفطرات الدوائية مرة أخرى)، وذكرت فيهما أن هذا الموضوع الهام جرى البحث فيه عام 1418 في الدورة العاشرة لمجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وهو غير المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، وقرر المجتمعون فيها بعضًا مما لا يعتبر من المفطرات، وأجلوا حينها إصدار قرار في بعض المفطرات، للحاجة إلى مزيد من البحث والدراسة في أثرها على الصوم. وفي كل مرة يعقد المجمع الموقر فيها دورته لا يفتح هذا الموضوع أبدًا، حتى جاءت الدورة الثامنة عشرة التي عقدت عام 1428 وقرر المجمع وبصريح العبارة تأجيل النظر فيما أجل سابقًا، ثم عقد المجمع الدور التاسعة عشرة ولم يفتح الموضوع مطلقًا، وقلت في نفسي، بل وكتبت أن الفرج سيكون بأمر الله ـ سبحانه وتعالى ـ في الدورة العشرين التي عقدت في أواخر شوال عام 1433، وللأسف لم تتحقق الأماني، بل جاءت الدورة خالية حتى من الإشارة إلى هذا الموضوع.

أقول لمجمع الفقه الإسلامي الدولي في شخص أعضائه الموقرين من الفقهاء والعلماء والمفكرين في شتى مجالات المعرفة الفقهية والثقافية والعلمية والاقتصادية من مختلف أنحاء العالم الإسلامي: لقد منّ الله تعالى عليكم بنعمة البحث في مشكلات الحياة المعاصرة، والاجتهاد فيها، وتقديم الإجابات والحلول الأصيلة والوافية عن كل سؤال تطرحه المستجدات الحياتية، وما أجلتم الفصل فيه خلال هذه السنين الطوال لا يحتمل كل هذا التسويف ـ ستة عشر عامًا ـ وإن نسيتم فالناس لا تنسى.. إن في ذمتكم أن تفصلوا وسريعًا للصائمين في أحكام: بخاخ الربو، واستنشاق أبخرة المواد.. والفصد، والحجامة.. وأخذ عينة من الدم المخبري للفحص، أو نقل دم من المتبرع به، أو تلقي الدم المنقول.. والحقن المستعملة في علاج الفشل الكلوي حقناً في الصفاق (الباريتون) أو في الكلية الاصطناعية.. وما يدخل الشرج من حقنة شرجية أو تحاميل أو منظار أو غيره للفحص الطبي.. والعمليات الجراحية بالتخدير العام إذا كان المريض قد بيت الصيام من الليل، ولم يُعط شيئاً من السوائل المغذية..

هذا السكوت العجيب ترك ـ كما يقولون ـ حبل البت في هذه الأمور على الغارب، وأجدد الأمل في إدراج هذه المؤجلات والفصل فيها في الدورة القادمة التي ستعقد في رحاب جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في منتصف محرم 1435. وحتى ذلك الحين، ولئلا يترك الناس بلا دليل؛ فلا بأس بتكرار نقل آراء أغلب الموثوق بهم من العلماء، فقد ذهبوا إلى ترجيح عدم الفطر ببخاخ الربو، وأن الحجامة ليست مفطرة، وأن الفطر بالتبرع بالدم معلقٌ بالكثرة المؤدية للضعف والإنهاك، وأن أخذ عينة من الدم للتحليل لا يحصل به الفطر، وأن الغسيل الكلوي بنوعيه مفطر لاستصحابه سوائل مغذية، وأن الحقنة الشرجية مفطرة، بعكس التحاميل الشرجية، أما المنظار الشرجي فالتفطير به معلق بالسوائل أيضاً، وأن صوم مريض العمليات الجراحية بالتخدير العام إذا بيت الصيام من الليل، ولم يعط شيئاً من المحاليل المغذية مختلف فيه.. والله أعلم وأحكم.