عندما قُصفت قريتي "معدان" في ريف الرقة، التي ضمت ألوف اللاجئين، تلك القرية التي أعتبرها مركز الكون شأن كل من عاشوا طفولتهم وشبابهم في الأرياف، فقد استفز مخيلتي أن أعرف ما هو الهدف الذي يعادل قيمة صاروخ السكود الثمين في قرية أثمن ممتلكات أهلها تلفزيون ملون وعشرة ثوار.
لم أجد هدفا غير ذاك الهدف الذي أضمره النظام السوري بقرارة نفسه من أمرٍ بإطلاق السكود على قرية؛ ليشرد من جديد الكثير ممن اعتبروها آمنة فنزحوا إليها. واليوم يأتي السقوط المفاجئ لمدينة الرقة التي تحتوي أضعاف عدد سكانها من اللاجئين، وما تبع هذا السقوط من صدمة لمن نزحوا من قبل مرة ومرتين وكنا نرى تقلب وجوههم في السـماء... أي مكان يتجـهون الآن إليه؟ ونتألم لمنظرهم في المقاطع المصورة، وهم يستفسرون حتى من سائق الباص إلى أين يذهبون وإلي أين يتجهون؟
لم يعد أمامهم غير مدنهم وبيوتهم المهدمة والمنهوبة وغير الآمنة أيضا، لكن الموت فيها غير الموت في الغربة.
لا شك أن كثيرا من الشعب هم مع الثورة والثوار، ولكن للأسف لم يستطع الكثير من الثوار أن يكونوا مع الشعب بقدر ما هم مع أهدافهم التكتيكية بغض النظر عن نتائجها على المدنيين، وهنا يأتي دور النظام المحترف في استغلال الظروف...
لن يدع للمدنيين مكانا آمنا، وسوف يستغل كل هفوة للثوار، ويساعدهم على ارتكاب مزيد من الهفوات ليحيل بها حياة المدنيين إلى جحيم وتشرد دائمين.
واليوم، وبعد كل هذا الاستنزاف لمقدرات الناس، الذين لم يعودوا قادرين حتى على دفع أجرة سيارة تقلهم إلى أقرب مخيم في الجوار. سيعودون إلى بيوتهم أو ما بقي منها... سينشغلون بترميم شقاء عمرهم وعمر آبائهم، لن يكون لديهم قدرة على احتضان الثوار ثانية، وهنا سيعتقد النظام أنه انتصر كما يعتقد كل مرة تهوي فيها صواريخه على المدن.
لم يتيسر لي من قبل فهم خطابات الأسد برغم توضيحاته الدائمة وجمله التفسيرية أثناء إلقاء الخطابات، فقط استنتجت منها أن النظام الممانع يجيز لنفسه الاحتفاظ بحق إراقة ماء وجهه للعدو، لكنه يجب ألا يريقه لشعبه البتة حتى لو كان ذلك باعتذار. لكن أبلغ خطاب ذاك الذي بلّغه عنه صاروخ "السكود" الذي سقط في معدان.. إما أنا، وإما لن تناموا تحت سقف آمن مرتين.