تقبلت "سيرا" قدرها بأن تكون الضحية لكي يستطيع بقية أفراد أسرتها العيش. إنه الفقر الذي يجعل الأب يدفع بفلذة كبده إلى التغرب في بلاد بعيدة من أجل لقمة العيش. الفقر الذي يدفع بامرأة أن تترك صغارها في رعاية أم عجوز أو زوج مقهور. الفقر الذي تحمل مرارته بين جنبيها وتطير إلى المجهول، ونستقبلها نحن غير مقدرين خوفها وحيرتها وألمها من لوعة الفراق!
منا من يتركها تنتظر في المطار لساعات، وأول ما تحط في أرض داره يبدأ التفتيش في "الهلاهيل" التي نسب إليها جورا وبهتانا اسم ملابس! ومنا من يضعها في غرفة ضيقة لا تكاد تسع قطة منزلية.. أعتذر من القطط فهي المدللة في منازلنا، ومنهن من تجد نفسها تنام على أرض المطبخ أو أي زاوية والسلام! ومع فجر أول يوم لها، ودون إعطائها أي فرصة لترتاح من طول ومشقة السفر، تبدأ سخرة الـ24 ساعة على مدار الأسابيع والأشهر والسنين!
بين ليلة وضحاها المطلوب منها أن تكون مربية أطفال، طباخة، أن تمسح وتكنس وتجلي! وويلها إن أحرقت أو كسرت، أو خربت أيا من الأدوات الكهربائية! طبعا فهي أتت من باريس وليس من قرية بدائية! وليت الأمر ينتهي هنا، فمنا من يطلب منها أن تغسل السيارة وتنظف الحديقة إن وجدت.. طبعا يجب أن نحلل من دمها كل قرش ندفعه لها.. وبما أننا نملكها، نعيرها للجارة ولكل من يحتاج أن "نبيض" وجهنا معه، فأزمة الخادمات تحتم علينا أن نساعدهم في تنظيف منازلهم.. ونحن عرب نحب الفزعة!
غريبة لا تفقه شيئا من لغتنا، يجب أن تتعلم لغتنا وبأسرع وقت ممكن، وإلاّ تعرضت لأقسى أنواع التعنيف اللفظي لأنها لم تفهم! والمسكينة يجب أن تركب سماعات حساسة تسمع بها بكاء الطفل بعيدا كان أم قريبا، وإن بكى وهو بين أيديها تصبح فورا متهمة، وطبعا هي دائما الكاذبة، المتهم الأول والأخير في أي مشكلة.. وكل من في المنزل ملائكة يمشون على الأرض! أما عن نفسيتها فهذا شأنها ولسنا مسؤولين عما تعانيه من شوق ولهفة لأهلها، لا يعنينا إن كانت تشعر بالتعب أو الإرهاق.. من عنده وقت أن يدلل؟! ثم الذين مثلها يجب أن يكونوا بقوة رجل آلي لا يشعر ولا يتألم، ولا يتوقف إلا عند أوامرنا! وويلها إن تجرأت وشكت أو اعترضت على أي تحرش جنسي، أو تفوهت بأي كلمة بعد أي لكمة أو رفسة أو حتى حرق بالمكواة.. يا سلام، أليست هي المذنبة؟! هي التي فتنت وهي التي كسرت وهي التي أحرقت..!
أجر؟ كيف تتجرأ وتسأل عن الأجر؟! ندفعه حين نثق بأنها لن تهرب، فلن ندفع دم قلبنا لها ونتكلف عليها ثم فجأة نجد أنها هربت! ثم ليست جريمة إن استلمت راتبها كل عدة شهر، لا يهمنا لماذا تركت أهلها وما عليها من ديون لمن لا يرحم من المؤسسات التي أرسلتها إلينا، ولا يهم أن أهلها على أحر من الجمر ينتظرون راتبها ليعيشوا.. مجرد العيش! غيرها هرب إذن تدفع هي وأهلها الثمن! إجازة؟! يكفيها أننا نأخذها معنا حيثما نذهب، صحيح أنها تخدمنا وتحمل الأكياس وتنتبه للأطفال، ولكنها تظل نزهة خارج جدران المنزل! يجب أن تتحمل عامين من غير أي راحة أو اتصال بأي أحد من جنسها إلى أن يحين وقت سفرها. وهنا قصة أخرى؛ تُجرد من ملابسها وتفتش هي وحقيبتها، تفتيش المجرمين فربما سرقت شيئا.. إهانة؟! بالطبع لا.. مجرد حذر واحتياط!
تطرقت العديد من وسائل الإعلام إلى ظاهرة عنف العمالة المنزلية، وكل فترة تظهر لنا جريمة يندى لها الجبين، فتبدأ الحرب ضد جنسية معينة ولا تنتهي حتى تظهر لنا جنسية أخرى نمارس من خلال محاربتها عنصريتنا وجهلنا. ولكن ماذا عن العنف ضد العمالة المنزلية؟ نعم قد تطرق إليها الإعلام وعلى استحياء من خلال نقل خبر انتحار هذه أو تشويه تلك، إنها ظاهرة شئنا أم أبينا، فبمجرد بحث بسيط على الإنترنت سنجد تقارير ودراسات وكتب للأسف غالبيتها أجنبية عن العنف في الدول العربية ودول مجلس التعاون. هذا بالإضافة إلى جملة من الأدلة التي قدمتها منظمات حقوق الإنسان المحلية، والتي تشير لوجود حالات متكررة من التعذيب والاستغلال الجنسي والاقتصادي وكل أنواع المعاملات غير الإنسانية، ووصل الأمر أن تتدخل سفارات الدول المصدرة للعمالة المنزلية.
واليوم يدور الجدل بين فئات المجتمع، فهناك من يرى أن الخادمات هن من يقمن بالعنف، وعلى الجانب الآخر الكثيرون يرون أن تلك الحوادث ترجع في الأصل كردة فعل لما يقع ضدهن. إن كان هنالك إجرام من البعض، وهن قلة نسبة لمن يتعرضن للعنف، ولا تبرير للجريمة، ولكن يجب ألاّ نعمم ونعاقب الباقي بأن نسحب الثقة، يا قوم إن خادم القوم سيدهم كما علمنا سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، وإن الرحمة من صفات الرحمن سبحانه، فإما عمل بكرامة وإما تسريح بإحسان..!