نادرا ما تغيب الطلبات والمناشدات العلاجية عن الصفحات الأولى للصحف الورقية والإلكترونية حتى أصبحت هذه الظاهرة من القواعد الاجتماعية غير المستنكرة. بل وإن الحال تطور إلى التهليل والتصفيق والمباركة لاستجابة وزارة الصحة والقطاعات الصحية الأخرى لأي من هذه المناشدات وكأنه إنجاز ودليل على تفاعلهم مع الجمهور. هذا التغير في القواعد الاجتماعية فيما يختص بالحقوق الصحية جدير بالدراسة والتحليل، فكيف استطاع القائمون على النظام الصحي قصر المفهوم للمادة 31 من النظام الأساسي للحكم والتي تنص على أن الدولة تعنى بالصحة وتوفر الرعاية الصحية لكل مواطن؟ كيف استطاعوا خلق معيار جديد لجودة الرعاية الصحية وهو سرعة استجابة القطاعات الصحية لمناشدات وطلبات الأسرّة والعلاج؟ كيف أصبح إجبار بعض المواطنين على تسول علاجهم في وسائل الإعلام أمرا اعتياديا؟ كيف بات المرض فرصة تسويقية للقطاعات الصحية وقياداتها لتلميع صورتها بسرعة الاستجابة لـ"حق" العلاج؟
ومع ذلك، فإن معيار الجودة والذي تتباهى به القطاعات الصحية وهو الاستجابة لمناشدات وطلبات الأسرّة والعلاج هو معيار ذو حدين، والحد الآخر هو ما تعكسه هذه المناشدات والطلبات عن النظام الصحي في المملكة والقائمين عليه. طلب المواطن للعلاج أو السرير عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي هو معيار جودة نوعي يتم استخدامه لقياس كفاءة النظام عن طريق قدرة وانسيابية حصول المواطن على الخدمات الصحية. وبالتالي فإن تزايد طلبات العلاج والأسرّة من قبل المواطنين هو معيار سلبي لأداء النظام الصحي ومنشآته وجودتها، فلو أنه يعمل بكفاءة لما اضطر المواطن لمناشدة حقه.
إضافة لضعف قدرة المواطن على تحصيل الخدمات الصحية بانسيابية، فإن معيار طلبات العلاج يعكس أيضا سوء توزيع الخدمات وضعف جودتها الذي عزز الطبقية العلاجية بين مناطق المملكة المختلفة، فأغلب الطلبات هي من مواطني المناطق الطرفية مقارنة بالمناطق المركزية.
طلبات العلاج والأسرّة معيار نوعي فعال في تشخيص سوء توزيع الموارد الصحية والذي بدوره يعكس ضعف الاستراتيجية الصحية الوطنية وعدم مواكبتها لواقع الاحتياجات الصحية للمواطنين ومن ثم عجزها عن القيام بدورها التنفيذي للمادة 31 من النظام الأساسي للحكم وهو توفير الرعاية الصحية لكل مواطن دون الحاجة لطلب أو مناشدة.
لطالما أغفلت الأجهزة الرقابية والتشريعية معايير الجودة النوعية واكتفت بالمعايير الكمية، مع أن الأولى غالبا ما تكون شفافة في رصد فاعلية القطاعات الصحية في تحسين النظام الصحي الوطني، فمناشدات وطلبات العلاج عبر وسائل الإعلام لا يمكن حذفها من تقرير سنوي ولا كتيب إحصائي.
بحثت مطولا عن تقرير الاعتماد الوطني السنوي والذي تعده وتصدره إدارة الجودة والبحوث والتخطيط بالمجلس المركزي لاعتماد المنشآت الصحية، وللأسف فلم ينشر أي منها مع العلم بأن المجلس بدأ عمله رسميا منذ 2005. هذه التقارير السنوية تحمل بين طياتها بحوثا أجرتها إدارة الجودة والبحوث والتخطيط لتقييم تأثير اعتماد المنشآت الصحية على مستويات جودتها وسلامة مرضاها. وحيث إن هذه التقارير غير منشورة، فإننا لا نعلم ما مدى تأثير اعتماد المنشآت الصحية على الجودة ولا نعلم إن تم اعتماد معايير جودة نوعية، كطلبات الأسرّة والمناشدات العلاجية، لقياس تأثير الاعتماد على الجودة الصحية.
الرعاية الصحية عالية الجودة هي تقديم الخدمة الصحية المناسبة في الوقت المناسب بالطريقة المناسبة للشخص المناسب للوصول لأفضل النتائج الصحية الممكنة. وحتى يستطيع أن يتباهى أي نظام صحي بأن خدماته ذات جودة عالية لا بد أن يسند ادعاءه هذا باثنين لا ثالث لهما: معايير الجودة الكمية (معايير الأداء السريري والأداء الصحي التقني) وتقييمات مستهلكي الخدمات، أي المواطنين. وفي ظل غياب التقارير الكمية، لم يتبق أمامنا سوى الحكم بتقييمات المواطنين وطلباتهم للأسرّة ومناشداتهم للعلاج، فاستجابة القطاعات الصحية لها إدانة على سوء التدبير ولا حل سوى سرعة معالجة القصور.