الآن فقط يمكن رؤية المساحات المغيّبة التي لم نكن نحسن رؤيتها في أتون الحماس الثوري المعقود على شرفات الربيع وزخات الأشواق المتواترة للتغيير، وإمكانات الانتصار على عبثية الحياة القسرية ذات الأنماط المتناسخة والمذاق الواحد!

كم كنا سذجا وثورات الربيع تحقن قدراتنا العقلية وتسوقنا فرادى وجماعات نحو الثقب الضيق لتحيل إكسير الجموح إلى (ديزبام أو SD) تتموضع في نطاقه المنغلق مشاعر وأحاسيس ومواقف الإنسان مما حوله ومن حوله.

هل شفينا من بله الاندفاعات العاطفية التي يتقن الإنسان برمجتها في حدود رغباته السياسية والثقافية وانحيازاته الدينية والاجتماعية؛ أم إن دوافع ونزعات النفس الأمارة بالسوء ما تبرح برمجياتها وما تزال نفسها مصدر تشكل وتشكيل الصورة المنتقاة ودواعي الموقف المسبق؟

صحيح أن مجتمعات دول ما يعرف بالربيع انقسمت على نفسها بين مؤيد ومعارض (مع وضد)، وتلك مسألة طبيعة لا تخص الثورات قدر شيوعها في معظم أحوال البشر وموجهاتهم الذاتية تجاه قضايا الشأن العام، غير أن ثورات القرن الواحد والعشرين حملت زبداً رابياً ومشاعية أخلاقية أقرب إلى الكوارث منها إلى الثورات..

ولئن كان هذا قد حدث تحت تأثير الحماس وتصاعد وتيرة التطلعات المشروعة لتحريك المياه الراكدة وإحداث التغيير إلى الأفضل بعدما سدت مسالكه الواعية، فلماذا آثرنا التغاضي عن أدوات التدمير باسم التغيير؟ ولماذا لم نقل أو ننقل الحقائق التي تكشف أمرها لاحقاً قبل أن يبلى ثوبها ويطال العبث مسرح الجريمة!! وأي جريمة أشد فظاعة من سلق الثورات وسلخها؟ وهل كان هذا السلوك نتاج الديزبام (الإيحائي) أم إن الطلائع المتنورة ومتصدري الاحتجاجات لم يكونوا يرون من التغيير كعملية فكرية وفلسفية وتربوية ولا من الثورة كتحول جذري شامل لا يقف على الحياد من أهدافه الكلية ومنطلقاته القيمية غير كرسي الحاكم وجسده المسجى على سجادة الخليفة المغدور، أو خلف قضبان عزيز قوم ذل؟

شيء واحد يمكنه تقديم مبرر معقول يخفف من مشاعر التحسر التي تسحبنا إليها مرويات الاستئثار بثورات الربيع ووقائع الفساد القيمي المتحلل حرمتها والمنتحل صوتها وصورتها..

إذ لولا أننا وجدنا القوى التقليدية تخرج على الناس في أهاب واحد، ورأينا القومي مؤذناً والاشتراكي إماماً وجماعة الإخوان لصيقهما ما تمكن هؤلاء من الانحراف بالثورة ولا إحالتها إلى قطعة إسفنج تمتص تراكمات الاستبداد القديم وتعمل تقناتها السياسية لتفويج شعارات الحرية والديموقراطية والرفاهية كمستحضرات تجميل نعالج بها تجاعيد الماضي وفرض نماذجه الأسوأ، كما لو أننا بصدد معاينة طاقم أسنان يفترض تركيبه بين فكي حاضر الشعوب ومستقبلها..

على أن إطلالتنا النقدية لما كان ربيعاً تفقد شرطها الموضوعي ما لم تتأسس على أرضية النقد الذاتي أو بالأحرى جلد الذات، وما دمنا نعتزم تصويب المسار فإن واجبنا القيام بحملات تطوعية لتطهير البيئة النضالية من الشوائب العالقة بمواقفنا خلال تجربة الاندفاع الأعمى.

وقطعاً لسنا بصدد التهوين من كوارث الاستبداد الذي عانته مجتمعاتنا في ظل القذافي ومبارك وصالح وبن علي وأضرابهم في المنطقة العربية، لا عندما كانوا على رأس الحكم فحسب ولكن، لأن معظم الانحرافات المؤبنة ثورات الربيع لا تعدو الآثار الناجمة عن سياساتهم السابقة، فهم ولا ريب تفرغوا للإجهاز بقسوة على الناصح العف والخصم الشريف والمشروع الوطني الجامع بما يعادل حدبهم الساذج وعنايتهم الفائقة بالحدائق الخلفية المعرشة بجيوب التطرف، ومقدمي الخدمات المجانية لصالح الدكتاتور والتمديد لسلطته واختلاق مصوغات استمراره على حساب المصالح الوطنية العليا، وبطليعتها بناء مؤسسات الحكم الرشيد وحماية الإنسان من العوز والحاجة وتحريره من الإذلال والدونية ولوثات الارتهان وتعزيز فرص المشاركة الشعبية المتنوعة وإتاحة المناخات الديموقراطية الحاضنة تطلعات الإنسان في حياة كريمة ومعاش مقبول.

كثيرون ممن يدفعون الآن ضريبة التواطؤ مع مؤشرات الانحراف برسالة التغيير يستعدون لإضرام النيران في كل مكان، وإن في مواطن سكناهم وربما جازف بعضهم للخلط بين الثأر والثورة على غرار ما تذهب إليه مؤشرات الأحداث في اليمن وتونس وليبيا.. ولقد كان تسويغ هؤلاء خطيئة التغاضي عن الانحرافات السياسية بمزاعم الحفاظ على وحدة النسيج الثوري والخشية من الاختراق ولم يكن في بالهم استفحال الظواهر الصغيرة لتغدو أكبر حجماً وأشد ضرراً من "ممارسات" الأنظمة المخلوعة. فهل سيتفهم المجتمع هذه الطروحات أم يعدها تلوناً غير ذي معنى.

لقد كان التغيير في 2011 ممكناً في ضوء ممارسات الاستبداد التي ركمتها السنون وقادت الجماهير للتعبير عن حنقها بواقع سأمها من الرتابة الممنهجة، أما في ظرفها الراهن فإن شرائح التصوف الثوري من دعاة التغيير وإلى جانبهم الفئات والقوى المتضررة من سياسات الاستحواذ يقفون في مواجهة حكومات ترتدي ثياب الشهداء وترفع بيارق التغيير - على سبيل التقية - وتشهر على أسنة الرماح أو هي تستجمع مشروعية الثورة في أوطانها والتجسيد الرباني لسلطة السماء؟

من هذه الزاوية تلهمنا ثورة 30 يونيو المصرية متاحات رحبة لقراءة ثورات الربيع ودور جماعات الإسلام السياسي بتحالفاتها الآنية مع القوى التقليدية الأخرى في إفساد مقومات التغيير المستنزفة داخل ساحات الثورة، وفي مقصورات السباق على السلطة كوسيلة مهتبلة لتحقيق أهداف مضمرة ليس من بينها ولا فيها أسباب الناس للتغيير، ولا دوافعهم العادلة للثورة على ما كان ومعاودة التوجع والصراخ مما هو كائن!!