صاحبي أبو فهد لا يترك أي فرصة تأتي فيها سيرة الصحافة إلا ويجلد العاملين فيها جلدا قاسيا عبر عبارات أقلها أن يصفهم بالسباكين والنجارين وأنهم أبعد ما يكونون عن مهنة الصحافة.
أبو فهد صاحب منصب كبير في إحدى الوزارات، وطبيعة عمله تستدعي احتكاكه بشكل دائم بالإعلاميين، ونظرا لكثرة ما عانى أخذ موقفا حادا منهم بل ومن الصحافة في عمومها، وأحيانا يتذكر أنني صحفي فيستدرك قائلا: "أنا لا أعمم ولكن الأكثرية ممن يعملون في الصحف غير مهنيين"!
شخصيا لا أوافق صاحبي في حكمه الحاد والمطلق، وكثيرا ما دخلت معه في جدل دفاعا عن المهنة وعن الصحفيين، وسبق أن كتبت هنا عن المسؤول السلبي الذي ينتقد الصحافة وينسى في المقابل جوانب عدة دفعت الصحافة لانتقاده أو انتقاد إدارة عمله، لكنني أوافقه في أن العديد من الزملاء لم يعد يهتمون بأربعة عناصر هي من صميم وأساسيات العمل الصحفي، وهي: (الدقة والموضوعية والشمولية والمصداقية)، فضلا عن أن الكثير من هؤلاء الزملاء لا يجدون من يعيد لهم موادهم الصحفية حينما تفتقر إلى أي من هذه العناصر ليصوبوها قبل أن تنشر، فباتت المواد الصحفية تنشر كما تصل من المراسلين، وبالتالي يظن هؤلاء أن ما يقومون به سليم ومع مرور الأيام والسنين يصبح من الصعب تصحيح مسارهم المهني بل يصبح من الصعب إقناعهم أن الطريقة التي يعملون بها خطأ سواء من حيث الصياغة أو الطرح أو جمع المعلومات.
ولن أخوض هنا في التفاصيل فهي واسعة وقد تكون مملة للكثير من القراء، لكن يهمني محور واحد يشتكي منه الكثير من القراء والمسؤولين على حد سواء، هذا المحور يتعلق بتجاهل عنصر هام عند إعداد أي مادة صحفية، وأعني بهذا العنصر "المصداقية"، ومتى ما فقدت الصحيفة مصداقيتها فهي كمن يحفر قبره بيده، فمن الملاحظ أن هناك عددا ليس بقليل من العناوين الصحفية التي تنشر في صحافتنا لا وجود لمضمونها في صلب الخبر، أو أن يكون هناك رأي مخالف لما جاء في العنوان على لسان الطرف الآخر من القضية لكن تم تجاهل هذا الرأي في العنوان عمدا رغم أن من يقرأ تلك المادة الصحفية يخرج في النهاية بأن الرأي المغيب هو الأقوى والأقرب للحقيقة، لكنه وفقا لأقوال الصحفيين (لا يبيع) ولهذا تم تجاهله، وهنا تكمن المشكلة وتقع الصحف في مصيدة الإثارة الفارغة التي كما أسلفت تفقدها مع الأيام مصداقيتها بالكامل، فضلا عن أن انتهاج هذا الأسلوب في العمل الصحفي يعني غياب المهنية بشكل تام.
بل لاحظت أنه بات من الطبيعي عند بعض الصحف والصحفيين أن يبرزوا الرأي المثير في عدة أعمدة صحفية، وفي السطور الأخيرة يتناولون رأي المسؤول المعني بالموضوع والذي في كلامه ما يفيد بعدم صحة ما ورد في العنوان أو يكشف ما يفيد بأن هناك مبالغة فيما قيل، والأعجب أن يكون كلام هذا المسؤول أو الطرف الآخر حتى لو لم يكن مسؤولا مدعما بالأدلة كصور ووثائق، بينما الرأي الذي تصدر عناوين الصحيفة وربما نشر في الصفحة الرئيسية لا سند له!