لم يكن متوقعا ـ مهما كانت التكهنات ـ أن تصل مفاهيم جيل قريب من الذي قبله، وربما كان رديفا له إلى نوع من الغياب، بالرغم من ذلك الحضور المحموم بين أطياف المجتمع! ما بين الحضور والغياب تكمن حمى شديدة (الرِعاش) تعتري المجتمع الخليجي والسعودي على وجه الخصوص، جراء مفاهيم حاضرة غائبة، مفاهيم مكتسبة ومتوارثة! إلا أنها تخطو بشكل متعرج لا يدع لذلك العناء في نفوس الجيل السابق سبيلا من غضاضة وغصة في الحناجر وذلك لتقارب جيلين وتباعد المفاهيم!

جيل قفز فجأة جراء ذلك التطور الفجائي وغير المتدرج، وجيل يحمل في حناياه موروثات كونت شخصيته، فلم يعد الأمر مجرد إرث، بقدر ما هو تكوين ونسيج في بناء الشخصية، ومن هنا يصعب الفكاك منه فتحدث الصدمة لا محالة. جيل يعرف معنى "المنقود"، وهو الرديف لمعنى العيب، وجيل لا يرى غضاضة في التملص من هذا "المنقود" بصفته أمرا يسهل التحلحل منه. والحقيقة أنه ساعد على ذلك عنصر الهجرة من الريف إلى المدن، ونظرا لاتساع رقعة البلاد واختلاف الروافد فكانت عاملاً أيضا من عوامل ذلك التحلحل وبيسر شديد! ومن هنا أصبح موضوع "المنقود" أمرا بعيداً لبعد الفرد عن موطنه ومسقط رأسه وقريته وقبيلته التي يعتمل فيها "المنقود" بشكل راسخ.

وكان للمجتمع القبلي والبدوي سطوته في تحجيم هذا الأمر بحيث إنه يلزم الفرد بالالتزام بالأعراف وخاصة ما يسمونه بـ( المرؤة) أو الشيمة، فناقص المرؤءة أو خارق الشيمة يعتبر خارجا عن القانون القبلي، وعليه فقد يصل الأمر إلى أشبه بالمقاطعة الاجتماعية المقَّنعة حيث لا تقبل له شهادة ولا نسب وقد يكون لا بيع له ولا شراء، ومن هنا كان يصعب التحلحل من تلك الأزمات الاجتماعية، والتي تعمل على ترابط الأسرة وبالتالي المجتمع. وكان من وسائل الضبط الاجتماعي ما يسمى (السوداء)، وكلنا نعرف أن السوداء تنصب في الأسواق إذ إن لكل مجموعة قبائل سوقا خاصة بها في يوم محدد، وكل القبائل آنذاك تعرف كل فرد وكل عائلة وكل نسب وكل عرق، فإذا نصبت السوداء لفرد لم يكن بعيدا عن أعين رجالات القبيلة، وكانت السوداء من أهم وسائل الضبط الاجتماعي ويقابلها (البيضاء) بحيث يكافأ الملتزم ويعاقب المنفلت أو المنحرف عن سلوك الجماعة.

ومن خلال البحث عن أصل السوداء وجدنا أنها تنحدر من أصل أسطوري في الجزيرة العربية؛ وهو أن حويلان بن كوش بن كنعان، كان بهي الوجه والخلقة؛ إلا أن أباه غضب منه فدعا عليه بأن يسود وجهه ووجه ذريته من بعده؛ فتقبل الله دعوته، وأصبحت ذريته سوداء البشرة وهم الزنوج وأصحاب البشرة السمراء، فهم من أبناء حويلان بن كوش بن كنعان كما ذكر البغدادي. ومن هنا كان أصل رفع الراية السوداء كراية خروج عن العرف والعادات؛ وظل الناس إذا غضبوا على أحد قالوا: سود الله وجهه. وهو أسلوب للوم الذي يمقته العربي بطبيعته مقتا شديداً؛ فلم يكن هذا بسبب تمييز عنصري للون كما قد يفسره البعض، وإنما هو رمز عن الخروج عن العرف والمألوف نتيجة لجذر هذا المفهوم الأسطوري! هذا هو تاريخ أحد وسائل الضبط الاجتماعي ومحاولة لإحياء ارتباط شارة السوداء في الأسواق بذلك الخروج عن القانون القبلي كعقوق الوالدين على سبيل المثال، فكانت طاعة الوالدين أمرا مقدسا محفوفا بالأعراف إلى جانب الدين وللعرف القبلي سطوته الشديدة على نفوس الأفراد. وبغياب وتحلحل هذه المفاهيم تحلحلت الروابط الاجتماعية وأهمها الأسرية بشكل خاص، وهذه من أكبر الأخطار التي تهدد المجتمع ذا النكهة التقاليدية التي مازالت تحيا بيننا في قرارة النفوس وخاصة أن الأجيال لا تزال تحيا بيننا وتعاني من غياب هذه المفاهيم في نفوس الشباب وأغلب الجيل الجديد. فنجد كيف أن قطيعة الأرحام وإيداع الوالدين أو أحدهما في دور الرعاية حين بلغوا من الكبر عتيا، وتسلط زوجة الابن على الوالدة والوالد، وهجر الإخوان والأخوات وكثرة الشقاق بينهم، وتجافي القلوب بين الأقارب، وجنوح الشباب عن مجالس الكبار والمشاركة في استقبال ضيوف الأسرة والعناية بأصدقاء الوالدين ومشاركة الجميع احتفالاتهم وأفراحهم، وأصبح الابن يحيا بمفرده بمجرد أن يتزوج، فاتخذ منزلا لا يأبه بمشاكل أسرته وشؤونها وهمومها، وكأن زيجته هذه قد أخذته بعيداً يخاف على مقتنيات منزله من الاتساخ والتلف، وعليه فلا يستقبل أحدا في منزله إلا نادرا، وإن توفي والده نرى ذلك النزاع والشقاق على ما تركه لهم أبوهم، وكأنها غنيمة يجب أن يستأسد بها طرف على طرف! نفوس مشتتة وقلوب متباعدة وحمى الانفراد تجتاح مجتمعا كان بالأمس القريب خلية نحل باتت في عصرنا هذا منازل محاطة بأسوار مرتفعة حول كل بيت حتى تغطيه تماما، في دائرية فردية شديدة التباعد والانفراد ولذلك انعكاس شديد على الرغبة في العزلة والانطواء حتى لا يعرف الجار جاره، ولا الساكن يعرف قاطن الحي، وعليه فـ"المنقود" أصبح في متناول الأيدي، لا يهم التفريط في المروءة والشيمة فلم يعد أحد يعرف أحدا، حتى بات التحلحل سهلا والتفكك أسهل.