هل يمكن أن تتآكل الهوية وتنقرض؟ ما الذي يحمي الفكرة الإنسانية للفرد والمجتمع من التحلل والتلاشي "fade"؟ ما حدث لمقاطعة "بريتانيا" ولغتها الـ"بريتانية" يكشف جانبا من معاني التآكل للهوية، فلغة تلك المقاطعة هي اللغة الكلتية التي قيلت في منطقة "بريتاني" في فرنسا وتنحدر من لغة السلتك البريطانية، إلا أنها انحسرت مع الفتوحات الرومانية وبدأت اللغة اللاتينية تحل محلها، ومع حلول القرن الخامس الميلادي تلاشت اللغات السلتية ولم يبق منها سوى تلك المتداولة اليوم في الجزر البريطانية ومنطقة بريتانيا الفرنسية، ويبلغ عدد الناطقين بها نحو مليوني نسمة.

تلك لغة دون مستقبل ومؤشر خطير على انزياح الهويات تحت الضغط الحضاري، وكثير من الفلاسفة والمؤرخين الذين تتبعوا سقوط وصعود الحضارات والإمبراطوريات أكدوا أنها تنزاح بكاملها دفعة واحدة، حتى إن توينبي في قصة الحضارات أكد ذلك ولخّص الحضارات الإنسانية في ست فقط قابلة للبقاء والتلاشي أيضا، وذلك يتجه بسؤال الهوية إلى المرحلة الجدلية التي أطلقها الألماني هيجل الذي يبدأ عنده بالوجود ثم الماهية ثم المركب منهما، وهو ما يطلق عليه الفكرة الكلية، وهي الفكرة التي تظهر في النهاية في صورة الفكرة المطلقة التي هي وجود الطبيعة، ومن هنا كانت الفكرة الكلية حلقة انتقال إلى فلسفة الطبيعة، وما الطبيعة إلا المظهر الخارجي للفكرة الكلية، تعارضها وتنافيها.

وطالما أن البعد الجدلي قائم ومرتكز على الوجود الذي تليه الماهية، وهي جوهر الهوية، فإن هذه المسألة استغرقت شغلا عقليا متواصلا ينتهي نسبيا عند ريشيليو الذي أطلق فكرة الوطنية وما تلاها من تطور حول "الدولة الوطنية – national state" ، وقبلها تم تحديد معايير "الأمة" الوطنية في عدة محاور، ذلك أعقب معاهدة وستفاليا التي أنهت السلطة البابوية على الدولة، تلك المعايير تشمل:

- ثقافة مشتركة تميزهم عن غيرهم، كلغة خاصة.

- أنظمة أو مؤسسات سائدة ومشتركة اجتماعية أو اقتصادية تميزهم عن غيرهم، أو يعتقدون أنها تميزهم عن غيرهم.

- أرضا ينتمون إليها، هي في عرفهم أرضهم وأرض أجدادهم.

- نظاما أو سلطة مشتركة ومستقلة مؤسسة.

- تاريخا مشتركا للجماعة، أو الاعتقاد بأنه مشترك.

- حب أبناء الوطن الواحد بعضهم البعض.

وبعد ريشيليو بدأ جين باتيست كلبرت الترويج للوطنية، باعتبارها جامعة لفكرة الهوية، وإن كان ذلك في الإطار الوطني، ولكن هل الوطنية كافية لحماية الهوية؟ ذلك يعيدنا إلى الديالكتيك الهيجلي مرة أخرى، ولكن قبل الاستطراد في ذلك، ماذا عن كيركجارد الذي تساءل عميقا.. أين أنا؟ ومن أنا؟ وكيف حدث أن أصبحت هنا؟ وتلك في الواقع إجابات أكثر منها أسئلة هوية وذات. وفيما يتعلق بهيجل، فالهوية إحدى قواعده الثلاث للفهم، ولذلك فإن الاستغراق معه في قضية الوجود بذات المنظور الجدلي يفتح الباب لفهم الهوية في إطار فكرته الكلية، وذلك حين يقول "لا يمكن تصور العدم المطلق ولا الوجود المطلق، إلا أنهما لدى التوفيق بينهما ينتج منهما وجود نسبي وعدم نسبي وهو الحق".

وطالما هناك منظور جدلي، فذلك يقودنا إلى ارتباط الهوية بالاختلاف كقضية جوهرية في تكييف المعاني الكلية، فالاختلاف مشحون بثنائية أنا والآخر، وهي الثنائية التي تسعى الهوية الى تأطيرها في قالب هوية جامعة تلتقي في قواسم مشتركة هي بالضبط معايير الوطنية، فالأمة الواحدة مهما كانت مكوناتها إلا أنها تختلف في كثير من تفاصيلها، باعتبار أن ذلك من السنن البشرية الماضية في بني الإنسان، فالناس لا يلتقون في وطن واحد أو دين أو معتقد إلا بوجود قناعات مشتركة، وإذا عدنا إلى تلك المعايير نجد أنها تميل إلى أقيسة قانونية تحاول حصار الدلالات في أطر محددة تحافظ على ثوابت الجماعة، بحيث تشكّل هويتها الجامعة أو تقترب من مفهوم الفكرة الكلية أو المطلقة لوجود تلك الجماعة، وبالتالي تستوعب الاختلاف وتمزجه من خلال التسامي على ما يختلف عليه أبناء المجتمع أو الوطن الواحد.

ارتباط الهوية بالاختلاف واستيعاب مقتضيات الأنا والآخر، من المسائل الجدلية التي تتطلب مقاربات تفضي إلى السلم الاجتماعي وتحدد المعاني العميقة والسهلة في الوقت نفسه لمدلول الهوية، وهي هوية جامعة، بحيث يأتلف ويلتقي عندها جميع الأفراد الذي يكونون النسيج الوطني أو الاجتماعي الواحد، دون ذلك يصبح من الخطورة على الهوية أن تحتفظ بمناعتها الفكرية في وجدان الأفراد. ومن البدهي أن نؤمن بوجود التعددية وأن المجتمعات بطبعها متعددة، وأن التعدد سمة طبيعية تعبر عن صحية المجتمع، وربما تكون الأحداث الأخيرة التي عصفت بالوطن العربي جراء الثورات قد قادت المجتمعات العربية إلى اتساع رقعة الهوة بين التيارات الفكرية والمذهبية المتعددة، وهذا ما نجده بشكل واضح في مواقع التواصل الاجتماعي، والذي يعكس ما هو حاصل على أرض الواقع، وعليه لا بد من التواثق على ميثاق أخلاقي ينبع من الوعي الجمعي بقيمة ودور الهوية في تشكيل عمق الفرد وانتمائه وولائه، لأن الهوية هي الثابت الإنساني الذي يحمي الفرد والجماعة، وما عداه متحوّل ينبغي أن يظل تحت السيطرة والالتزام الذاتي والعقلي بهوية جامعة غير قابلة للاختلاف والاختراق.