في ظل الحضارة الحديثة؛ فإن القانون هو أهم منتجات هذه الحضارة الحديثة، الذي أصبح من خلاله يأخذ الناس حقوقهم ويعرفون واجباتهم، وإلا فإن الوضع سيكون كالغابة حيث يأكل القوي الضعيف، وتنتشر الفوضى والظلم وسلب الحقوق.
عندما ننظر لحال الأخبار التي تتردد بين حين وآخر عن حوادث العنف ضد الطفل والمرأة، فإننا نتعجب كيف أن وزارات مختصة بالعدل أو بالشؤون الاجتماعية لها عقود من الزمن لم يكن من أهم أعمالها وضع أنظمة لحماية الضعفاء من الظلم والتسلط، وهذا الأمر من أهم واجباتها بل ربما أولى الأولويات بالنسبة للشؤون الاجتماعية!
عندما يحصل عنف تجاه الطفل أو المرأة؛ قد يتساءل أحدهم ما العقوبة التي يضعها النظام؟ ولو اتصلت معنفة أو طفل بالجهات المسؤولة تريد النجدة فماذا عسى أولئك أن يفعلوا؟
المنطق يقول إنه يبحث عن النظام ليطبقه على الجاني، ولكن للأسف أن ذلك النظام غير موجود! بالتالي سيكون العلاج هو الوعظ وربما التوقيف بلا جرم نظامي! (إلا في حال وصل الأمر إلى جرم مادي كالقتل ونحوه!) أو من خلال اجتهاد القاضي الذي قد يخطئ ويصيب. ولا يمكن تصور العلاج الحقيقي للمشكلة دون سنّ نظام يشتمل على آليات قوية وصارمة ضد كل من يمارس العنف ضد الطفل أو المرأة، وعدم ترك الأمر لاجتهادات منقوصة ومتفاوتة.
عندما تحصل مثل هذه الجرائم ونسمع بها فإن الكثير يتسائل؛ بأن هذا ما اشتهر ووصل إلى مسامعنا! ومن المؤكد أن الحقيقة أضعاف مضاعفة لذلك! حيث البيئة الاجتماعية المنغلقة وضعف وسائل التواصل والتجاوب بين أولئك الضعفاء والجهة المسؤولة - إن وجدت -! بالتالي فإن الكثير من تلك الجرائم تبقى تحت الرمال ولا يعرف عنها أحد!
سبق وأن كتبت العديد من المقالات التي تدور حول هذا الموضوع، وكان منها مقال "كل يوم معنّفة!"، وأشرت فيه إلى نظرة سريعة عن طرق وأساليب الحماية ضد العنف في أميركا من خلال القوانين هناك. حيث من أهم القوانين في هذا المجال قانون التحكم بالجريمة وفرض القانون (Violent Crime Control and law Enforcement Act)، والذي أقرّ في عام 1994، حيث في السنة الأولى من صدور القانون انخفضت جرائم العنف بنسبة أكثر من 60% من العام السابق! حسب تقارير وزارة العدل الأميركية. وكان القانون قد وضع العديد من الوسائل للحد من العنف (ويندرج الطفل والمرأة هنا)، منها توفير الميزانيات الكافية لإنشاء مكاتب في كل ولاية مختصة في هذا الجانب، مع توفير الإمكانات لها. بالإضافة إلى وضع العقوبات الصارمة ضد كل من يتجاوز القانون. وقد عُدّل القانون وطُوّر عدة مرات إلى أن أصبح هناك قانون خاص بالحماية للمرأة (the Violence Against Women Act). أما حماية الطفل فهناك العديد من القوانين التي تعالج جوانب مختلفة من حياة الطفل لأجل حمايته، كان من آخرها قانون (Child and Family Services Improvement and Innovation Act)، الذي صدر عام 2011.
وباعتقادي أن الاستفادة من آخر ما توصل إليه الآخرون في هذا المجال هو أنجع الطرق للوصول للعلاج المتطور بأسرع وقت وأقل تكلفة، مع استبعاد ما قد يتعارض مع قيمنا. ومن الطريف أن القوانين لا تُحمى بأساليب الحماية التجارية مثل العلامات التجارية أو الباتنتس، فتمكن الاستفادة منها إلى حد كبير.
أعود وأقول؛ كم من طفل أو امرأة بقيا حبيسي الظلم بسبب مرض الزوج أو الوالد أو الوليّ النفسي، أو بسبب تشدّده، أو لمرضه العقلي أو غير ذلك. كما قد يقع خطأ من طفل أو امرأة، ويأتي العقاب بالقتل أو التعنيف المبرح! وربما لم يقع خطأ أصلا ولكن لشبهة أو وسواس قهري يكون ضحيته ذلك الطفل أو تلك المرأة!
إن من أهم واجبات الجهات المسؤولة ممثلة في وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة العدل القيام بحفظ حقوق هؤلاء وحمايتهم من مثل هذه الحوادث المتكررة، وذلك كما ذكرت من خلال سن نظام صارم ومتطور أولا ثم البدء بتطبيقه.
كان مما كتبت في مقال سابق بتاريخ 16/11/2012؛ "نسمع أنه يُناقش نظام في مجلس الشورى منذ سنوات! ولم يرَ النور حتى الآن للأسف، والكثير يعتقد أنه سيبقى حبيس الأدراج حتى تقوم الوزارات المختصة بدورها، وأهمها وزارة العدل ووزارة الشؤون الاجتماعية. كما أتمنى أن يكون النظام مستوفيا لمتطلبات الحاجة، وأن يستفيد من تجارب الآخرين في هذا المجال، وسوف نعدّ الأيام وأرجو ألا تكون سنوات حتى يخرج هذا النظام!"
وها قد مضت سنة تقريبا! فيا تُرى كم سننتظر بعدُ؟