أكد رئيس القسم المصري في "هيئة الدبلوماسيين الدولية" التي تعنى بتأصيل التعاون الدولي بإشراف الأمم المتحدة في نيويورك، الدكتور حسام الشاذلي أن تعامل الحكومة المصرية ومؤسسة الرئاسة مع أزمة الأموال المصرية المهربة إلى الخارج لم يكن على المستوى المطلوب ولم يؤد إلى أي نتائج حتى الآن.

وقال الشاذلي، وهو أيضاً خبير دولي في "إدارة التغيير" والرئيس التنفيذي لمجموعة "سي بي أي" الدولية في سويسرا: من أهم المفارقات السياسية، أن إعادة محاكمة الرئيس المصري السابق حسني مبارك قد تكون أحد أسباب رفض الحكومة السويسرية إعادة الأموال، لأن إعادة المحاكمة يمكن أن تؤدي إلى حكم أقوى قد يبرئ المتهم أو يزيح بعض التهم عن كاهله.

كلام المسؤول الأممي جاء في حوار أجرته معه "الوطن" هنا نصه:

هل ترى أن مصر تعاملت بالصورة المطلوبة مع قضية استعادة الأموال المنهوبة من سويسرا؟

للأسف لم تتعامل الحكومة المصرية ولا مؤسسة الرئاسة بالصورة المطلوبة مع قضية استعادة الأموال المنهوبة من الخارج، ومن بينها الأموال الموجودة في سويسرا، فلم يتم تشكيل فريق له خبرة متخصصة في هذا النوع من الأزمات، خصوصا أن قضايا تهريب الأموال وغسيل الأموال وإخفائها وتتبعها أصبحت من القضايا المتخصصة جداً دوليا وتحكمها مجموعة كبيرة من الاتفاقات والقوانين الدولية التي لا يبدو أن الحكومة المصرية درستها على الرغم من التصريحات الأخيرة للفريق الذي زار سويسرا نهاية شهر يناير التي لا تنبئ بخير، لا سيما بعد صدور حكم يمنع الاطلاع على الملفات في ديسمبر ورفض سويسرا طلب النائب العام والحكومة المصرية بإعادة ملايين الدولارات المرتبطة بهذه القضية.


زيارة متأخرة

ما تحليلك للزيارة التي قام بها الفريق المصري لسويسرا لاستعادة تلك الأموال؟

الزيارة جاءت متأخرة جداً، والأخطر أن التصريحات المتعلقة بها قد لا تعبر عن نتائجها بصورة واضحة. فالقول إن سويسرا ستصدر تشريعا يعيد لمصر أموالها وإن الحكومة السويسرية وافقت على ذلك هو قول منقوص، لأن سويسرا واحدة من المنظومات التي تطبق مبدأ الديموقراطية المباشرة، وإصدار تشريع فيها يتطلب استفتاءً شعبياً، في حين أن تصريحات ممثلي وزارة العدل السويسرية تنحصر بقبول الطرف السويسري دراسة الطلب المصري بإجراء تعديل لأحد القوانين الموجودة. وكذلك صرح المتحدث السويسري نفسه، بأن بلاده ستقوم بإعادة تقييم الأمر برمته والرد على الجانب المصري. وهذا حقيقة يختلف اختلافاً كلياً عن زوبعة النصر التي تم الترويج لها في تصريحات الفريق المصري بعد عودته من سويسرا، التي تنقل صورة غير مكتملة للرأي العام، أما الواقع فيتحدث بأنه حتى الآن لم تصدر سويسرا أي تصريح برفضها الطلب أو قبوله أو وجود أي إجراءات تتعلق بالموضوع.

هل إعادة محاكمة مبارك تصب في مصلحة هذه القضية وتسهل استعادة الأموال؟

من أهم المفارقات السياسية التي تصب في قلب هذه القضية، هي أن إعادة محاكمة مبارك التي قابلها كثير من المصريين بفرحة عارمة قد تكون أحد أسباب رفض الحكومة السويسرية إعادة الأموال، لأن إعادة المحاكمة كما يمكن أن تؤدي إلى حكم أقوى يمكن أيضاً أن تبرئ المتهم أو تزيح بعض التهم عن كاهله، خصوصاً أن هيئة الدفاع عن المتهمين قدمت للمحكمة نسخاً من جرائد تكتب باللغتين الإنجليزية والفرنسية تتحدث عن سيطرة الإسلاميين على مصر. كما قالت هيئة الدفاع عن المتهمين إن الرئيس محمد مرسي عندما شكل لجنة لتقصي الحقائق فيما يتعلق بالمحاكمات العسكرية التي تمت قبل توليه الحكم، لم تنجح في الوصول إلى أي نتائج ملموسة ولا في إعادة محاكمة المتهمين، الأمر الذي لم ترد عليه أيضا هيئة الادعاء المصري على الرغم من وجود أدلة عدة لنجاح هذه اللجنة، مثلما لم ترد على حقيقة أن أغلب المقالات التي استدلت بها هيئة الدفاع هي لكتاب معادين للرئيس مرسي.


عدم استقرار

ما تعليقك على الحكم السويسري الصادر برفض الحكومة السويسرية إعادة الأموال المنهوبة إلى مصر؟

أصدرت المحكمة الفيدرالية قرارها بناء على دعوى معارضة تقدم بها عدد كبير من المحامين بينهم محامون لآل مبارك، يمثلون شركات وأفراد متهمين بقضايا غسيل أموال وقضايا إهدار المال العام المصري، وتوصلت المحكمة لنتيجة مفادها أن وضع مصر الحالي غير مستقر وحقوق الإنسان غير مصانة والرئيس وضعه غير مطمئن، ولا يوجد برلمان إلى الآن. والمعركة بين القضاء والرئاسة، من وجهة نظر المحكمة لا تضمن سرية المعلومات التي أعطت المحكمة للجانب المصري حق الاطلاع عليها مسبقا، وهو أمر يمس قانون السرية المصرفية السويسري، وكذلك عدم ضمان وصول الأموال للشعب في ظل الحالة الراهنة. وعلى هذا قررت المحكمة إلغاء الحكم الصادر من قبل بمنح تلك الأموال إلى مصر، حيث إن الحكم الصادر لصالح الحكومة المصرية في مايو الماضي، اشترط أن تكون الحكومة المصرية قادرة على حفظ وضمان عدم تسرب المعلومات المختصة بالقضية لأي أطراف أخرى وعدم استخدامها بصورة مباشرة أو غير مباشرة في قضايا أخرى، وهو الأمر الذي أثبتت هيئة الدفاع عن المتهمين عدم قدرة الحكومة المصرية على القيام به في ظل ظروف عدم الاستقرار الحالية.

وماذا كان رد فعل هيئة المدعين والممثلين للجانب المصري؟

للأسف تم تمثيل هذه الهيئة باثنين فقط من المحامين في مواجهة هيئة كاملة، وهو أمر في غاية الخطورة في إجراءات التقاضي السويسرية التي تعتمد على التخصص المعتمد لهيئة الدفاع أو المدعين. وعلى الرغم من أن المكتب المتولي للقضية من الجانب المصري هو أحد أكبر المكاتب المتخصصة في قضايا البنوك والتأمين وقضايا الإفلاس وغيرها، إلا أن المكتب بعيد عن القضايا السياسية بصورة كبيرة، وهذا يفسر مدى ضعف التفسير الذي قدم لهيئة المحكمة فيما يختص بالعرض السياسي للموضوع والذي بنيت عليه حيثيات الحكم في مجملها. وعلى النقيض فقد مثل هيئة الدفاع عن مبارك وأعوانه عدة مكاتب مختلفة تغطي جميع التخصصات التي تركز على المنازعات الدولية.





انتهاك العدالة

ما الحيثيات الأخرى التي تضمنها حكم المحكمة؟

من بين الحيثيات التي بنت عليها المحكمة قرارها بعدم تمكين مصر من أموالها المنهوبة، الانتهاك المستمر لحقوق الإنسان في مصر الذي لم يتحسن بعد انتخاب الرئيس الجديد، بل إن انتهاك العدالة ومؤسسات العدل والقضاة والمحاكم زاد بصورة كبيرة في عهد الرئيس مرسي، الأمر الذي لم ترد عليه هيئة الادعاء الممثلة للحكومة المصرية بصورة مرضية للمحكمة، كما أن جميع دفوع هيئة الادعاء فيما يتعلق بحقوق الإنسان جاء مبنياً على وعود بأن الرئيس سيقدم دعما لحقوق الإنسان دون الإشارة القوية لأي دليل واحد بتنفيذه تلك الوعود، كما اتخذت هيئة الدفاع عن المتهمين قرار المحكمة الإسبانية بخصوص حسين سالم وعدم ضمان معاملته معاملة إنسانية حال تسليمه للسلطات المصرية للتأكيد على مدى امتهان حقوق الإنسان، وعدم ضمان السرية الشخصية للمتهمين الأمر الذي يشغل حيزاً مهماً جداً في العقل العدلي السويسري، وكان يجب التعامل معه بصورة أكثر فاعلية، كما اعتمدت المحكمة والدفاع على استعمال تقارير المنظمات الدولية لحقوق الإنسان مثل "هيومان رايتس ووتش" وغيرها للتأكيد على امتهان النظام الحالي حقوق الإنسان في مصر. وهنا يظهر وبوضوح عدم قدرة هيئة الدفاع على دحض هذه الافتراءات التي تأتي من منظمات كلها معروف دوافعها، وأرى أن هيئة الادعاء السويسرية والممثلة للجانب المصري لن تكون قادرة على بناء مذكرات قوية إلا بناء على معلومات ينقلها الجانب المصري المفوض بالتعامل معها ويدعهما. والغريب أن أغلب هذه الادعاءات كان من الممكن القضاء عليها وبسهولة بعدة مستندات متاحة في كل مكان ولجميع المهتمين بهذا الأمر.


قنوات تواصل

في ظل تلك المؤشرات القاتمة، هل ما زالت هناك آليات من شأنها أن تتيح لمصر فرصة استعادة أموالها المهربة إلى سويسرا؟

إن استنتاجات المحكمة النهائية التي أدت إلى الحكم مبنية على صورة موجهة وغير مكتملة لم يستطع الجانب الممثل للحكومة المصرية أن يشرحها أو يلغيها أو يقدم تفسيرا لها على الرغم من إمكانية ذلك من خلال المعلومات المتاحة والمؤكدة والتي حتما ستأخذ بها المحكمة إن عرضت عليها، وهناك آليات كثيرة، منها ما يتعلق بفتح قنوات تواصل مع منظمات حقوق الإنسان وغيرها من المنظمات الدولية لتوضيح حقيقة الأمور في مصر، لكن نقطة البداية تكمن في تدعيم هيئة الادعاء المصرية بفريق محامين سويسريين متخصصين في هذا النوع من المنازعات الدولية، إضافة إلى تشكيل فريق من المستشارين المصريين الموجودين معهم أو المتواصلين بصورة دائمة مع المجتمع السويسري لإعانتهم في بناء ملف قوي يلغي هذا الحكم الأخير وبسرعة، كما يجب أيضاً انتهاج إستراتيجية جديدة مع المحكمة العليا السويسرية تقوم على الضغط الإعلامي والدولي فيما يختص باعتماد المحكمة على مصادر غير موثوق بها للحكم ومنعها الشعب المصري من حقوقه التي هو في أمس الحاجة إليها، وهذه الإستراتيجية ستشجع مجموعات الضغط السويسرية وغيرها لتبني الموضوع ومساعدة الجانب المصري للوصول لحل سريع وعادل.