هناك مقولة للفيلسوف الإسباني جورج سانتايانا تقول: "أولئك الذين لا يتذكرون ماضيهم محكومون بتكرار أخطائه".

إن استشراف المستقبل يستلزم أحيانا النظر في الماضي بشكل عام، لا لتفاصيل بعينها وإنما للسياق التاريخي الأوسع، واستشعار التغيرات ضمن سياقها الأوسع لا مجرد التغيرات في التفاصيل التي تفرضها حالة كل عصر. ويكشف النظر في السياق التاريخي الأوسع للجزيرة العربية عن وجود عدة اتجاهات تاريخية (Historical Trends) ظلت تمثل الأساس العام لواقع هذه المنطقة من العالم، وهذه الاتجاهات العامة شهدت خلال المئة عام الماضية انقلابا كبيرا سيكون لكيفية تفاعلنا معها دور كبير في رسم مستقبلنا.

أولا: أن منطقة الجزيرة العربية ظلت على مدى التاريخ المسجل (recorded history) منطقة طاردة للسكان لا جاذبة لهم، وظل الاتجاه التاريخي العام لسكان هذه البقعة من العالم هو النزوح منها للمناطق المجاورة في سلسلة من الهجرات التاريخية باتجاه الهلال الخصيب وما بعده، وفي هذا الصدد يمكن النظر للفتوحات الإسلامية على أنها أيضا جزء من حاجة سكان الجزيرة للهجرة نحو الخارج، فعلى العكس من كثير من حركات الفتوحات للحضارات المختلفة كانت الفتوحات الإسلامية بمثابة عملية انتقال بهدف الاستيطان لا مجرد الغزو والعودة. فجغرافية الجزيرة العربية فرضت على سكانها لا مجرد الانتقال الدائم داخلها بحثا عن الماء والكلأ وإنما أيضا الانتقال لخارجها كلما زاد الفائض السكاني عن قدرة الأرض على تحملها. ولم يرتد هذا الاتجاه التاريخي إلا نهايات المئة عام الماضية عندما تسبب اكتشاف الثروة النفطية في أحد أكبر عمليات الهجرة المعاكسة إلى داخل الجزيرة العربية مرة أخرى من قبل ملايين من الأيدي العاملة من أنحاء متفرقة من العالم.

ثانيا: أن منطقة الجزيرة العربية على مدى تاريخها لم تشهد نمو أو إنشاء أي وحدات سياسية أو دول إلا في حالات قليلة تمثل استثناء للسياق التاريخي العام وهو الاستثناء الذي يؤكد القاعدة ولا ينفيها، كما أن الوحدات السياسية التي نشأت في الجزيرة العربية لم يتمكن أي منها من الاستدامة التاريخية، فالدول التي ظهرت في الجزيرة العربية على مدى تاريخها ظهرت في لحظات معينة وضمن سياقات لها أسبابها الخاصة ولم تكن نتاج تدافع حضاري مكنها من إيجاد متتاليات حضارية كدول وحضارات بلاد ما بين النهرين التي ورثت بعضها على سبيل المثال، وبالتبعية لم ينتج عن الدول التي نشأت في تلك الظروف أي إرث ثقافي يماثل الإرث الذي خلفته الحضارات التي قامت في مناطق جغرافية متاخمة للجزيرة العربية.

ثالثا: أن الطبيعة الجغرافية للجزيرة العربية والطبيعة الاجتماعية لسكانها لم تسهما في نشوء أي إرث للمركزية السياسية المطلوبة لنشوء واستدامة الدول، فحتى الدول التي نشأت في الجزيرة العربية، إما كانت دولا محدودة النطاق جغرافيا أو دولا أقرب ما تكون للتجمع الفيدرالي غير المترابطة مركزيا في صناعة القرار وهو ما تسبب في عدم نشوء دولة قوية داخل الجزيرة العربية على امتداد تاريخها، وحتى خلال عصر دولة الخلافة التي لم تستمر سوى لجيل واحد لم تتطور آلية صناعة القرار بشكل مركزي بحيث تتحول المدينة المنورة كعاصمة إلى منطقة مركزية لصناعة القرار (على العكس من روما بالنسبة للإمبراطورية الرومانية مثلا) وكانت عواصم الأطراف أكثر استقلالية في قرارها وهو ما دعا الدول الإسلامية التي نشأت بعد ذلك لنقل مراكزها لعواصم أخرى تسهل عملية مركزية صناعة القرار. ولم يرتد هذا السياق التاريخي العام إلا في المئة عام الماضية عندما نشأت في الجزيرة العربية دول ذات سيادة مركزية قادرة على بسط نفوذ المركز على كامل الأطراف في الدولة، والسعودية في هذا السياق تعد استثناء للسياق التاريخي الذي لم توجد فيه دولة واحدة قادرة على بسط نفس الحكم على كامل أراضي صحراء الجزيرة العربية.

رابعا: أن التفاعل بين المكونات الثقافية والاجتماعية في منطقة الجزيرة العربية ظل على امتداد تاريخها ضعيفا نتيجة البيئة، فعلى رغم كون الجزيرة العربية تضمنت أحد أهم خطوط التجارة والتنقل بين الشرق والغرب قديما إلا أن نسبة التفاعل الاجتماعي والتناضح الثقافي بين شعوب الجزيرة العربية ظلت ضعيفة، ومحكومة إما بحدود مضارب القبائل ونزاعاتهم أو بحدود مناطق جغرافية متمايزة عن بعضها داخل الجزيرة العربية، وعلى العكس كان التبادل الثقافي باتجاه الخارج لا الداخل أقوى بكثير، فالتبادل الثقافي لليمن مع القرن الأفريقي كان أعمق من تبادله مع شمال الجزيرة، وتبادل مناطق الحجاز مع مصر والشام كان أقوى من تبادله مع الداخل، وتبادل مناطق القصيم وشمال الجزيرة مع بلاد الرافدين كان أقوى من جنوب الجزيرة وهكذا دواليك بالنسبة للتجمعات السكانية التي نشأت على شاطئ الخليج. ولم ينعكس هذا الاتجاه الثقافي إلا في السنين الأخيرة من المئة عام الماضية مع نشوء الدولة المركزية في الجزيرة العربية التي سمحت لتنقل أبناء القبائل المختلفة فبات الجنوبي مقيما في الشمال والشمالي مقيما في الجنوب.

خامساً: أن منطقة الجزيرة العربية خلال تاريخها كانت منطقة فقيرة في الثروات وعلى الأخص الثروة المائية اللازمة لاستدامة الحياة وتطورها، ولم تشهد هذه المنطقة في تاريخها فائضا في الثروة الطبيعية أو المادية إلا بعد ظهور النفط والذي سمح قبل كل شيء بإيجاد مصدر للمياه لهذه المنطقة القاحلة من خلال تحلية مياه البحر، وهو ما يمثل الانقلاب الحقيقي والأهم في وضع الجزيرة العربية على امتداد تاريخها كله. والمياه تظل هي الرافد الأساس الذي يسمح باستمرارية التحولات السابقة، ومن غير المياه تعود الجزيرة العربية منطقة طاردة للسكان لا جاذبة لهم، وتتفكك أسس الدولة المركزية لتفسح المجال للطبيعة الجغرافية والاجتماعية للجزيرة العربية للتأثير على صيرورة الأمور.

إن قراءة السياق التاريخي الأوسع للجزيرة العربية وما رافق المئة عام الماضية من تحولات كبرى في هذا السياق، تقود لاستشعار أهمية القيام بعدة تحولات أساسية للمحافظة على صيرورة التطور الذي شهدته الجزيرة العربية، خاصة وأن التحديات المقبلة لن تكون سهلة، فعدد السكان في الجزيرة العربية اليوم هو الأكبر على امتداد تاريخها وهو يفوق الفائض السكاني ما لم تستمر عملية التدخل لإبقاء الأرض قابلة لاستيعاب هذا العدد بل ولتزايده، وهنا يجب النظر في ثلاثة أمور رئيسية من أجل المستقبل السياسي لهذه المنطقة:

أولا: أن الطاقة هي المصدر الرئيس لاستدامة الحياة على هذه البقعة وأن النفط مصدر ناضب للطاقة، وعليه يجب السعي بقوة لإيجاد مصدر مستقبلي (الطاقة المتجددة وخاصة الشمسية) كبديل للطاقة لإنتاج المزيد من المياه لاستمرارية الحياة.

ثانيا: أن غياب أي هوية وطنية جامعة للمكونات الاجتماعية كان بسبب عدم نشوء أي دولة قومية في الجزيرة العربية تاريخيا، ومن ثم فإن محاولة تكوين هوية وطنية جامعة لا يتأتى إلا بتيسير التبادل الثقافي والحضاري داخليا والاستثمار في هذا الأمر من دون محاولات لقولبته أو فرضه، حيث إن التبادل الثقافي باتجاه الداخل لا يزال ظاهرة جديدة.

ثالثا: أن الدولة كوحدة سياسية تتطلب المواءمة بين مركزية صناعة القرار اللازمة لاستمرارية الدولة وبين الحاجة التي تفرضها الطبيعة الجغرافية والاجتماعية من لا مركزية ومزيد من التمكين للأطراف، وإذا كان العصر الحديث بتطوره في وسائل الاتصال والتنقل يتيح مزيدا من المركزية إلا أنه في المقابل يتيح أيضا مزيدا من اللا مركزية دون تفريط في مكاسب المركزية، وهو ما يجب النظر له.