تكملة لقضايا العنف التي تناولتها في مقالاتي السابقة اليوم أشير للعنف ضد المرأة؛ الموضوع الذي تناولته لأكثر من مرة، وأجد نفسي أسير فيه مجددا، ولست الوحيدة، ولكن على ما يبدو أن الأمر يأبى أن يُحل أو ينتهي! إنها مشكلة عالمية بحيث إنها جعلت المنظمات الدولية وهيئات المجتمع المدني تهتم بها في السنوات الأخيرة، بل إنها أصبحت تعد قضية من قضايا حقوق الإنسان وميزانا لتحضر الشعوب، والحكم على أهلية المجتمعات بالانتساب للإنسانية، ونحن بحكم أننا ننتمي لدين الإنسانية والمحبة والسلام نرفض أن يكون بيننا من يقوم بالتعدي على المرأة بأي شكل من الأشكال، وككتاب ومثقفين ليس بيدنا أن نصل إلى كل أسرة، ولكن ما هو بيدنا أن نظل خلف القضية من أجل التوعية والعمل على القضاء على كل شكل من أشكال العنف، فمجرد إبقائها على صفحات وشاشات الإعلام يبقيها في الواجهة ويثيرنا كمجتمع بالتعامل معها كل من خلال قدراته وصلاحياته.
إنها قضية ليست وليدة اليوم، بل نتيجة التراكمات التاريخية غير المتساوية بين الرجال والنساء، والتي أدت في كثير من الأحوال إلى الهيمنة والتمييز ضد النساء من قبل الرجال، وإلى منع التقدم الكامل للمرأة في جميع المجالات، وما زالت، رغم كل مظاهر التغيرات التي طرأت على حياة المرأة في مجتمعنا، بل إنها إحدى الآليات الاجتماعية التي أُجبرت من خلالها المرأة على التنازل عن احتلال الكثير من مواقع متساوية مع الرجل، نعم تم الاعتراف بمسألة العنف ضد المرأة والتمييز القائم ضدها دوليا وعلى جميع الأصعدة، والتي من أهمها المؤتمرات الدولية ومواثيق الأمم المتحدة، ولكن للأسف على ما يبدو أن كل ذلك لم يصل للكثير من الرجال، وللأسف الكثير من النساء عندنا.. لأنه كلما تم تناول القضية نجد أن الكثير من النساء يتقمصن دور المحارب ويأخذن الأمر إلى خندق آخر باعتبار أنه حرب ضد الفضيلة والأسرة!
يجب أن نتذكر أن للعنف الأسري العديد من الآثار السلبية على الأسرة واستقرارها واستمرارها من جهة، وعلى المرأة وعلى نظرتها لنفسها وعلى مقدرتها في تكوين علاقات سليمة مع الآخرين من جهة أخرى، وحين نلقي الضوء على هذه القضية لا نتعدى على الأسرة، بل ما نريده هو بناؤها وتطورها، فلا أحد يرضى أن تعاني المرأة، والتي هي نواة الأسرة، للعديد من المشاكل، مما قد يؤثر على دورها الأساسي ويشوش على المسار الصحي والطبيعي للأسرة كما نتمناه لتقدم المجتمع وبالتالي تقدم الوطن. إن من أهم تلك الآثار، كما توصلت إليه الكثير من الدراسات المحلية والإقليمية والعالمية والتي اتفقت في مجملها على التالي: الشعور لدى العديد ممن تعرضن للعنف بعدم الرضى عن علاقاتها الاجتماعية مع الآخرين، ارتفاع نسبة القلق لدى المرأة التي تتعرض للعنف بدرجة كبيرة، الإحساس بالعجز وقلة الحيلة، الخوف الشديد من كل شيء محيط بها، انخفاض الثقة بالنفس، وعدم القدرة على الثقة بالآخرين، الاكتئاب والحزن، المعاناة من الكوابيس، الشعور بالذنب، الشعور بالدونية، العزلة والانطوائية، الشعور بالضعف، نظرة سوداوية إلى الحياة قد تدفعها إلى الانتحار، والعارض الأخير بدأ يظهر عندنا لأكثر من حالة تناولتها الصحف المحلية مؤخرا.
وما السبب الرئيس الذي يظل يظهر في غالبية الدراسات التي تناولت هذه القضية؟ إنه سيطرة الأعراف والعادات والتقاليد المتعارضة مع الإسلام لدى الكثير من العائلات، وإلباسها لباس الإسلام من قبل المستفيدين من ذلك، فنجدهم يعددون الفتاوى والأدلة التي يصفونها بالشرعية. وبقليل من التدقيق نجد أنها ليست سوى وليدة بضع من العادات والتقاليد. وأما نظرة الكثير من الرجال الدونية للمرأة نجدها تتضح وتظهر مرارا وتكرارا في تعليقاتهم على قضايا المرأة على شبكات التواصل الاجتماعي أو الأحاديث الجانبية، حتى إننا نجد من يصر على معاملة النساء على أساس أنهن ناقصات الأهلية من بعض من يعملون في الدوائر الحكومية، ويصرون على غض البصر عن اللوائح والقوانين الحديثة؛ كإعطاء ولي الأمر أو الوكيل حقوقاً ليست له من الأصل، مما يجعل المرأة تشعر بأنها مجبرة على أن تخضع للذكر الذي كثيرا ما يكون غير مؤهل أو أقل علما أو سنا منها، فعلى سبيل المثال: هناك من تحرم من حق اختيار مجال التعليم إلا بموافقة ولي الأمر، وهناك من تحرم من إرث والدها تحت عذر حماية ثروة العائلة من الذهاب لمن هو خارج الأسرة، وهناك من يتم الاعتداء عليها.. وكأنها ملك لهم جسدا ومالا وروحا، إن ترك المجال لهم! وما ارتفاع نسب قضايا اغتصاب المحارم إلا دليل على ذلك، ولو أن ما يبلغ عنه أو يصل للجهات المختصة ليس سوى رأس جبل الجليد وما خفي كان أعظم! ثم هنالك قضايا عضل أولياء الأمور لبناتهم أو أخواتهم، تحت أعذار شتى، ولو أن العذر واضح جدا في جميع القضايا؛ المصلحة الشخصية التي لا شأن لها بمصلحة الفتاة لا من قريب ولا من بعيد.. ولا ننسى هنا أن نشير للمرة المليون إلى حالات عدم العدل بين الزوجات في حالة التعدد، وما لذلك من أثر مدمر، ليس على المرأة فقط، بل على الأسرة بأكملها، خاصة الأبناء. ولو استمررت لأصبحت المقالة جريدة بأكملها!
إن الحل ليس ببعيد عنا كمجتمع، أولا التوعية والاستمرار بالتوعية في المدارس وفي الجامعات وفي المساجد، وفوق ذلك كله في كل مجالات الإعلام وعلى مدار العام، وألا نقف موقف المتفرج حين يصلنا خبر الاعتداء على حق من حقوق المرأة أو التعدي عليها بأي شكل من أشكال العنف.. يجب أن نتدخل ولا نعد الأمر مجرد مشكلة أسرية، لأنها ليست كذلك... إنها مشكلة إنسانية!