• المأساة التي انطوت عليها حيوات عدد من عباقرة الفنون باختلافها مريعة، وعلى اختلاف ملابسات حياة كل واحدٍ منهم، إلا أنهم يلتقون في شيءٍ واحد، في لعنةٍ واحدة، أنهم لم يجدوا أية طريقة، ترضى عنها نفوسهم القلقة، لإقامة تسويةٍ محتملة مع الزيف، وهم يرون العالم، في أدق تفاصيل ما يحيط بهم، منقوعاً في الكذب والتضليل.

• فنسنت فان جوخ، الذي يعتلي اسمه عرش الفن في العالم، كان ابناً لأحد أكثر العوائل في أوروبا ثراءً، بدأ حياته بالبيع في متجر لعمه، يبيع اللوحات، لكنه لم يستطع أن يقيم مصالحته مع الزيف، فكتب: "كيف يستطيع رجلٌ أن يقضي حياته كلها يبيع السخفاء من الناس لوحاتٍ رديئة! إنني لا أفيد المتاجر شيئاً، لا أعرف سرّ البيع والشراء. أرى زملائي يخدعون المشترين... وأرى عمي يراهم ويسمع كذباتهم ولا يقول شيئاً. هذا هو الكذب والخداع والرياء. يجب أن أمنع هذا.. يجب أن أمنعه!"، ترك المتجر، ثم اعترف يوماً بحبه لابنة عمه "أرسولا" لكنها حطمت قلبه ورفضته، فذهب لأحد القساوسة وطلب منه أن يرسله لأحد أكثر الأماكن شقاءً ليساعد المحتاجين، فبعثه إلى منجمٍ رديءٍ للفحم في بوريناج ببلجيكا، ثم لم يستطع أن يحتمل الظلم الذي يرى أولئك العاملين يعانونه، فسافر لمسؤولي الشركة في بروكسل، ولم ينجح في تقديم أية مساعدة لهم. هرب إلى باريس وبقي زمناً، ثم عاد لأمستردام وتوسل لوالد حبيبته "أرسولا" أن يوافق على زواجه منها، لم يقبل الأب، فأخذ جوخ شمعة ووضع إصبعه عليها وتركها تحترق حتى أشفق عليه عمّه وهم يشم رائحة لحم إصبعه، وقبل به، لكن "أرسولا" نفسها رفضته مجدداً. رحل إلى جنوب فرنسا، واستغرق هناك يتتبع الشمس والحقول والطبيعة، وكانت نفسه تنهار شيئاً فشيئاً حتى بدأت تعتاده نوبات الجنون. أعجبته فتاة في حانة فقطع أذنه وقدمها لها، وحين وصلت حاله لهذا الحد جاء أخوه تيوفيل ليقيم معه.

• كتب جوخ في أغسطس 1863 "ماذا يحدث لو هاجمتني النوبة ثانيةً وتركتني مجنوناً للأبد! ماذا سيفعل تيوفيل عندها وماذا سيفعلون بي! يجب أن أذهب قبل أن تعاودني النوبة فأعجز عن اتخاذ طريق الذهاب"، ثم حمل أدوات الرسم وصعد أحد التلال، وأطلق على نفسه الرصاص، لينهي حياته تحت عين الشمس.

• فنسنت فان جوخ، باع أول لوحاته بستة فرنكات، ولم يكسب من جميع لوحاته التي باعها طيلة حياته، كانت بمئة وثلاثين دولارا، أما اليوم وهو في قبره، بعد عمرٍ قصيرٍ وتعيس، فالخبراء يقدرون لوحاته بما يتجاوز ست مائة مليون دولار.