استؤنفت مجددا، في 29 يوليو الماضي، المفاوضات، الفلسطينية- الإسرائيلية، في مدينة واشنطن، وبرعاية أميركية. وقد رأس المفاوضات عن الجانب الفلسطيني، الدكتور صائب عريقات، والوفد "الإسرائيلي" برئاسة وزيرة العدل، تسيبي ليفني، وقيل إن هذه المفاوضات ستتناول القضايا النهائية، التي يعقبها اعتراف الكيان الصهيوني بالدولة الفلسطينية المستقلة، ونظرا لتعقيدات القضايا الخلافية المعلقة، فإن من المتوقع أن تستغرق هذه الجولة تسعة أشهر، وهي فترة معقولة إذا ما قورنت بالعشرين سنة المنصرمة من المفاوضات، التي لم يتمكن الفلسطينيون من خلالها من انتزاع الاعتراف الصهيوني بدولتهم.

ورغم التوصيف الفلسطيني المستمر للجولات السابقة بأنها عبثية، لكنها لم تكن كذلك بالنسبة للصهاينة، فقد مارسوا خلالها، عملية استيلاء شاملة على فلسطين، عبر التهويد والاستيطان. وكانت آخر جولة من المفاوضات قد تمت في أواخر عام 2010 بوساطة جورج ميتشل، وقدم خلالها مقترحات بقيام دولة فلسطينية في حدود موقتة، رفضت في حينه من قبل الرئيس أبومازن.

صاحب مقترحات ميتشل اقتراح بأن يقدم الكيان الصهيوني مبادرة حسن نية، تضمنت إطلاق سراح بعض المعتقلين، وإزالة بعض الحواجز العسكرية، وتسليم المسؤولية الأمنية للسلطة. والآن يعاود كيري طرح مبادرة حسن نية أخرى مماثلة، شملت إطلاق سراح فلسطينيين اعتقلوا قبل اتفاق أوسلو 1993، وإقامة مناطق صناعية فلسطينية - "إسرائيلية" - أردنية في طولكرم وأريحا لتشغيل الفلسطينيين، والسماح بإدخال ذخيرة للأجهزة الأمنية الفلسطينية وإقامة بنى تحتية وأدوات لتفريق المتظاهرين، مع شق طريق جديد حول محافظة رام الله، ومنح تراخيص للبناء وعدم هدم البناء غير المرخص في قرى محددة، وبناء مطار في رام الله.

ورغم أن مبادرة حسن النية التي طرحها كيري، لا تتعامل مطلقا مع جوهر القضايا الخلافية، فإن من غير المؤكد أن يوافق عليها الكيان الصهيوني، وسوف يطرح جملة من الذرائع تجعله يتنصل عن تنفيذها. وصيغة الاتفاق الأميركي مع الفلسطينيين والإسرائيليين تؤكد صحة هذا التوقع. فإطلاق سراح الفلسطينيين يتم على أربع مراحل، وهو مرهون بنجاح المفاوضات، بمعنى أنه ورقة ضغط على الوفد الفلسطيني المفاوض.

ولا يخفي رئيس وزراء حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، فرحته باستئناف المفاوضات فهي كما قال قبل استئنافها بيومين "مصلحة استراتيجية حيوية لدولة إسرائيل". فاستئنافها يمنح كيانه الغاصب المزيد من الوقت لخلق حقائق استيطانية جديدة على الأرض، تمكنه من أن يملي على منظمة التحرير الفلسطينية "الحدود" التي يعدها "آمنة" لكيانه، وليظل الكيان الغاصب دون حدود ثابتة، ومفتوحا باستمرار لنهج التوسع والعدوان.

إنجاز كيري يضاعف من معضلة الانقسام الوطني، ويؤجل المصالحة الفلسطينية بين الضفة الغربية وقطاع غزة، لتسعة أشهر على الأقل، ويؤجل أيضا للفترة ذاتها أي توجه من قبل السلطة نحو الأمم المتحدة للبناء على اعتراف الجمعية العامة بفلسطين دولة غير عضو، بالعام الماضي. والأنكى أن المفاوضات الحالية تتم من غير أية ضمانات بتجميد بناء المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية وفي القدس بخاصة، فضلا عن وقفه بالكامل. والمعنى المتضمن لكل ذلك هو التوجه نحو مفاوضات الحل النهائي، من غير التزام الكيان الغاصب بأي من الوعود التي جرى الاتفاق عليها بموجب الاتفاقيات الموقعة للمرحلة الانتقالية.

المفاوضات هذه تجري بشكوك في نوايا نتنياهو، الذي وصفه يوسي بيلين في مقال له في "الجروزلم بوست" في 30 يوليو الماضي، بأنه "نكث بكل ما قاله طوال حياته السياسية". ويعزز من هذه الشكوك ما قالته وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت، بأن المفاوضات الحالية ليست إلا بداية البداية لعملية طويلة لا توجد أي ضمانة لنجاحها. أما جنيفر بساكي، المتحدثة باسم وزير الخارجية الأميركي جون كيري، فاعتبرت اجتماعات المتفاوضين التي تمت في واشنطن فرصة لوضع خطة عمل إجرائية لمفاوضات "الوضع النهائي".

وزير الخارجية الأميركي جون كيري المسؤول الأول عن نجاح المفاوضات، سوغ استئنافها برعاية مباشرة من بلاده بالقول إن المحاولة والفشل أفضل من عدم فعل أي شيء. لكنه لا يشير إلى مخاطر بناء المستوطنات اليهودية في الضفة والقدس على الوجود الفلسطيني بأسره، ويتناسى أن موضوع القدس بالذات هو أحد أسباب فشل المفاوضات السابقة، بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

لقد استأنفت منظمة التحرير المفاوضات من دون موافقة إسرائيل على وقف التوسع الاستيطاني، وتجري على أساس مبدأ تبادل الأراضي، بما يعني الاعتراف بالمكاسب الإقليمية التي حققها الاحتلال بالاستيطان غير المشروع. والقضية مفهومة لكل ذي بصيرة. فالفلسطينيون يدخلون لعبة المفاوضات في ظل خلل كبير في توازن القوى مع العدو. وكان المؤمل أن يجري التعويض عن هذا الخلل بموقف عربي تضامني لتصليب الموقف الفلسطيني وتعزيزه، بما يحقق تطلعات الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة.

وقد علمتنا التجربة أن العرب حين يكونون أقوياء يتمكنون من فرض إرادتهم وينتزعون حقوقهم. ففي ظل الضعف تم احتلال فلسطين، وفي ظل التشرذم حدثت نكسة يونيو، ومع انشغال العرب بهمومهم الداخلية عاود الاحتلال الصهيوني الاستيلاء على كل المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية، وتخلص من الرئيس عرفات، وصنفت المقاومة الباسلة باعتبارها إرهابا من قبل الأميركيين والأوربيين.

التضامن العربي أثبت في السابق قدرته على انتزاع النصر للعرب في مختلف قضاياهم، فكان عامل تسريع في انتصار الجزائر وتحقيق استقلالها، وكان عاملا أساسيا في دحر العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، كما كان كذلك في انتصار مصر وسورية في معركة العبور عام 1973، وهو وحده الكفيل بوقف تصاعد الاستيطان الصهيوني وتهويد القدس، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، ووضع حد للتنكر الإسرائيلي للحقوق الوطنية الفلسطينية ومصادرة الأراضي في النقب وانتزاع مواطنة أهالي القدس واستبدالها بهويات إقامة لمدة عشر سنوات، وهو وحده الكفيل بهدم الجدار العازل واستمرار مصادرة الدولة الصهيونية للأراضي بالضفة الغربية. ولا شك أن التمسك بعروبة القدس هو البوصلة لتحرير الأرض، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.