في طفولتنا، كان العيد عيدا، حتى إننا كنا نخطط لتفاصيله، وكيف يمكن أن نبتهج خلاله، منذ بداية شهر الصيام.

تلفزيونيا وإذاعيا، كان "صوت الأرض" ـ رحمه الله ـ قرين الفرحة الغامرة، وهو يردد بصوت أعذب من الموسيقى: "كل عاااام وأنتم بخير.. كل عاااام وأنتم بخير.. ضحكة فرحْ.. من كل قلب في أحلى عيد".

هذه الأغنية العيدية التي لحنها الغائب إعلاميا، والحاضر وجدانيا محمد المغيص، كانت نظيرة التواصل والحب والسلام، بل إن سماعها وهي تتردد مجتازة نوافذ البيوت والسيارات إلى آذان "المعيدين" كان ركنا مهما من أركان شعورنا بأننا في "عيد"، لأنها ـ في تفكيرنا ـ أغنية العيد الرسمية عبر قناتنا الأولى والأخيرة حينها.

الآن، يزدحم الفضاء بمئاتٍ من بناته الفضائيات، وتتقاطع آلاف الموجات الأثيرية، فنبحث عن: "كل عاااام وأنتم بخير"، فلا نكاد نجدها، وإن وجدها باحث عنها، فإنه لن يجد منها سوى المقطع الأول مكررا، بينما يجد عشرات الأغنيات العيدية الاستهلاكية التي ليس لها بالفن والغناء علاقة، فضلا عن أن تكون لها علاقة بالإحساس والوجدان والذكريات.

بعض أغنيات العيد الجديدة تخدش الشعور عوضا عن أن تلامسه؛ فهي لاتقول شيئا للقلوب، ولا تهب العيد غير النشوز عليه وعنه، بإيقاعات صاخبة، وابتكارات مونتاجية صوتية غير موفقة، وكأن مهندسي الصوت في تعاملهم مع الـ"مكسَرات" الحديثة أطفال يلهون بـ"ماكينة" لا يعرفون ماهي، أو كيف تعمل، لكنهم يلهون، فتضيع مميزاتها، ويسوء نتاجها.

أيها الفضائيون.. أيها الـ"إف أميون"، هبونا "كل عاااام وأنتم بخير"، لنشعر أننا بخير، ونفتش فينا عن عيد.