زهو وجداني ومشاعر حية وجياشة، استحضرتها وأنا أتصفح تلك الومضات والإشارات، والتضمينات والقابلية المعرفية والريادة المتبصرة، التي كان يمثلها الأديب الراحل يحيى بن إبراهيم الألمعي، الذي قضى من عمره أربعين عاماً حافلة بالجهد والعطاء في خدمة الدين والوطن، بل هو أول رئيس لتحرير جريدة عسير والتي كانت تصدر من صحيفة عكاظ لثلاث سنوات ابتداء من 1382، والتي نعتها "بجريدة أسبوعية تعنى بشؤون الفكر والمجتمع".

المتتبع لأرشيفه المبحوث فيه من قبل الباحث المنصف المعتمد على المماثلة، والمقارنة والبرهنة لما أنجزه هذا الأديب الشاعر، والمشتغل في أكثر من حقل يلمس ذلك الوعي المبكر والخصوبة وعمق الفاعلية، التي يمثلها الأديب عندما يؤمن بدوره ورسالته وشرف المحاولة وسعيه لأسلبة الأفكار المتحضرة، وتوليد الرؤى المقوننة لحركة المجتمع، إن المطلع على نتاجه يستطيع أن يحدد مسارات تفكيره وطرائق فهمه، وملكاته الأدبية والتاريخية والشعرية، ويتأمل تلك القدرات الذهنية المستقبلية التي تعمل على تجذير وتعميق واستيعاب أفكاره العصرية، اقرأ مطالبته في صحيفة الندوة عام 1377 لوزير الزراعة بحفر آبار ارتوازية في رجال ألمع، حيث بلغت "زفة" الماء ريالاَ أو ريالين، ويطالب في عام 1378 بافتتاح "كتاتيب" خاصة بتعليم البنات في عسير أسوة ببقية مدن المملكة، بل إن عناوين زواياه استلفها كثير من كتابنا المعاصرين مثل "شؤون وشجون"، "في ظلال الدعوة"، "وجهات نظر"، "همسات ولمسات"، "حلو ومر"، "البعد الثالث"، "كان ويكون"، وغيرها من المسميات التي كان يطرح تحتها كثيراً من القضايا والمطالب التنموية والدراسات التاريخية والاجتماعية يقول ابنه "غازي"، الذي قام بجمع وتقديم بعض إرث والده: "من اللافت للنظر أن كثيراً من المواضيع التي طرحها كانت وما زالت هي الهم والهاجس الوطني للمجتمع حتى وقتنا الحاضر مثل: البطالة، العمالة، تحسين المستويات الوظيفية والمرتبات، مشاكل السفر، الأخطاء الطبية، وغيرها من قضايا الرأي العام" انتهى كلام غازي، ولكن الذي أدهشني مطالبته قبل 25 عاماً بإنشاء مساكن للموظفين بالتقسيط ولو بحسم نصف المرتب كما يقول، لم يكن ـ رحمه الله ـ يركز في طروحاته التنويرية على مدينة أو جهة دون أخرى، بل كان صوتاً عادلاً لكل الوطن.

إن إرثه التاريخي والشعبي والشعري يحتاج إلى وقفات أخرى، فشكراً لأبنائه البررة الذين لم يهدروا هذا السفر والأثر لوالدهم، وهكذا يكون الوفاء للأعلام الراحلين، وكم أتمنى إطلاق اسمه على "معلم" في أبها أو رجال ألمع.